"الثلاثي السام".. كيف ينذر الجوع بأكبر أزمة في التاريخ الحديث؟

"الجوع كافر" قالتها العرب سابقاً، ولكَ أن تتخيل اليوم أن 193 مليون شخص في 53 دولة حول العالم يهددهم الجوع، مع زيادة العدد الإجمالي للذين لا يمتلكون طعاماً كافياً بشكل يومي، والذي زاد بمقدار 40 مليوناً العام الماضي بحسب الأمم المتحدة، وهو ما يؤكد على "اتجاه مقلق" للزيادات السنوية على مدار عدة أعوام.

قبل أيام، وتحديداً في 21 أيار/ مايو 2022، قرعت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي، عبير عطيفة، أجراس المخاوف والتحذيرات من اقتراب العالم نحو أزمة جوع "قد تكون الأخطر في التاريخ الحديث"، وتتزامن مع اضطرابات على الصعيد الدولي، خصوصاً الصراعات وتغير المناخ وارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود.

المزيج "الثلاثي السام"، كما وصفته الأمم المتحدة، وتقصد به: "الصراعات، وأزمة المناخ، والآثار الاقتصادية لجائحة كورونا"، أدخلنا في مشكلة نقص وصعوبات إمدادات سلاسل الغذاء للدول العربية ومنها الأردن، رافقها أيضاً أضرار تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على إنتاج الغذاء عالمياً.

وهو ما أكدته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو"، في أحدث تقرير لها، معلنة ارتفاع المعيار القياسي لأسعار الأغذية العالمية إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، لافتة إلى أن أسعار الغذاء بلغت أعلى مستوياتها منذ 60 عاماً.

وتكاد الدوافع الرئيسية لتراجع الأمن الغذائي وسوء التغذية حول العالم، تعود إلى ضعف الكفاءة في مراحل الإنتاج والتصنيع والتخزين والتوزيع، والنزاعات، والتقلبات والأحوال المناخية القصوى، وحالات التباطؤ والانكماش الاقتصادي، وفقاً للفاو.

البلاد العربية مجتمعة، تستورد 60 % من احتياجاتها للحبوب من روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى فرنسا ورومانيا، لكن لروسيا وأوكرانيا ثقل دولي خاص في توريد العالم العربي بالحبوب؛ نظراً لسعرها المنخفض في البلدين.

وقبل عامين، استحوذت البرازيل على حوالي 8.15% من إجمالي منتجات الأعمال التجارية الزراعية التي استوردتها نحو 22 دولة عربية، وذلك مقابل 8.25% لصالح الهند من هذه التجارة، لتتخطى الهند البرازيل لأول مرة في إمداد العالم العربي باحتياجاته من المواد الغذائية الأساسية، بحسب الغرفة التجارية العربية البرازيلية.

في 2022.. الصومال الأكثر ضرراً

ترتكز كافة التوقعات أن يواجه الصومال واحدة من أسوأ أزمات الغذاء في العالم في 2022 بسبب الجفاف الذي طال أمده، وزيادة أسعار المواد الغذائية، والعنف المتواصل فيه، فيما تشكل الحرب في أوكرانيا مخاطر إضافية على الصومال ودول أفريقية أخرى، تعتمد على أوكرانيا وروسيا في القمح والأسمدة وإمدادات غذائية أخرى.

يتبع الصومال أفغانستان والكونغو وإثيوبيا ونيجيريا وجنوب السودان وسوريا واليمن، والتي فيها أكبر عدد يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقرير عالمي أعد بالاشتراك بين (الفاو)، وبرنامج الأغذية العالمي، والاتحاد الأوروبي.

بينما تصدرت دول قطر والكويت الإمارات أعلى درجة على مؤشر الأمن الغذائي عربياً، وتذيلت دول سوريا والسودان واليمن جدول الترتيب، فيما حلت عُمان في المركز الرابع ثم البحرين والسعودية والأردن والجزائر وتونس والمغرب ثم مصر في المركز الـ11، بحسب بيانات مؤشر الأمن الغذائي العالمي التابع لـ"إيكونوميست إمباكت".

عالمياً، هناك 10 أزمات غذائية هي الأسوأ، كان من بينها 6 أزمات في بلدان أفريقية (الكونغو الديمقراطية، والسودان، وشمال نيجيريا، وإثيوبيا، وجنوب السودان، وزيمبابوي)، واثنتان في الشرق الأوسط (سوريا واليمن)، وواحدة في الأميركيتين (هاييتي)، وأخرى في جنوب آسيا (أفغانستان).

وللعام الثالث على التوالي، كان أكبر عدد من السكان الجياع في 3 بلدان متأثرة بالصراعات، هي الكونغو (21.8 مليون) واليمن (13.5 مليون) وأفغانستان (13.2 مليون). وتشكل هذه البلدان، بالإضافة إلى سوريا (12.4 مليون) والسودان (9.6 مليون)، ما يزيد على 45 % من مجموع السكان المصنفين عالمياً في مرحلة الأزمة الغذائية أو المراحل الأسوأ.

فشل سياسي! 

"الجوع يسلط الضوء على فشل العالم المتكرر في درء الكوارث التي يمكن الوقاية منها، ما يمكن اعتبار هذا الملف فشل سياسي بامتياز، خصوصاً في شرق أفريقيا الذي بات الجوع فيه يحصد شخصاً كل 48 ثانية".

هكذا عزت منظمتا أوكسفام الدولية و"أنقذوا الأطفال" للعون الإنساني، ما يحدث في العالم اليوم. وأوضحتا أن إثيوبيا وكينيا والصومال باتوا في كارثة واسعة النطاق، إذا أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع في هذه البلدان زاد من 10 ملايين إلى أكثر من 23 مليوناً اليوم، نتيجة الديون التي تضاعفت 3 أضعاف في أقل من عقد، من 20.7 مليار دولار في عام 2012 إلى 65.3 ملياراً بحلول عام 2020، ما أدى إلى امتصاص موارد هذه البلدان من الخدمات العامة والحماية الاجتماعية.

ولفتت المنظمتان الانتباه إلى أن العمل في وقت مبكر على درء الجوع لا ينقذ الأرواح فحسب، بل يمنع الخسائر الاقتصادية، إذ تقدر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أن كل دولار يستثمر في الاستجابة المبكرة والصمود في الصومال يوفر 3 دولارات من خلال منع الخسائر في الدخل والماشية.

كما انتقدتا أيضاً حكومات شرق أفريقيا لتأخرها في الاستجابة، ورفضها في كثير من الأحيان الاعتراف بحجم الأزمة، وعدم استثمارها بشكل كافٍ في الزراعة أو أنظمة الحماية الاجتماعية لمساعدة الناس على التعامل بشكل أفضل مع أسباب الجوع، بما في ذلك الصدمات المناخية والاقتصادية.

توقعات وحلول

لا يمكن بعد اليوم التوقع من البلدان الفقيرة والضعيفة أن تتصدى للتحديات العديدة التي تواجهها وحدها، بدءاً من التلوث وفقدان التنوع البيولوجي إلى الجوع والفقر، ودون مساعدة وتخطيط، ومراعاة احتياجات المجتمعات التي تعيش في صراعات سياسية، وخلاف ذلك لن يكون هناك مفر للجوع والعنف والهجرة التي تزعزع الاستقرار البشري.   

فنحن أمام مشكلة ليست إقليمية، فالعالم كله أصبح يتحسس خطاه تجاه المجاعة المحتملة. وهو ما يحتاج من دول العالم ككل مضاعفة مستويات إنتاج الغذاء عما هي عليه حالياً لتتمكن من إطعام سكانها والوصول إلى الأمن الغذائي.

الجزء المهم من الحل أمام هذه المجاعة المحتملة، يكمن في التضامن الإنساني وتوسيع الدخول الزراعية لصغار المزارعين وترويج التنمية خارج القطاع الزراعي، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية وتظافر وتنسيق الجهود مع سائر الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وهو ما ينعكس إيجاباً على رفاه الأفراد واستقرارهم.