حتى لا تصبح حياتنا خاوية من الأحلام!

ثمة مشهد عبقري، في المسلسل التاريخي الشهير "الزير سالم" لكاتبه المبدع ممدوح عدوان والمخرج العظيم حاتم علي، حين بشر التاجر امرؤ القيس، ياقوت بأنه سيحقق له حلمه الذي يعيش من أجله وهو الذهاب إلى الهند.

يفرح ياقوت كثيراً أول الأمر، لكنه بعد لحظات يعود معتذراً من امرؤ القيس عن مرافقته، وحين سأله عن السبب قال ياقوت ما معناه: "أخاف من تحقيق الأحلام، كان الحلم أجمل من السعي لتحقيقه، قلوبنا تخاف مواجهة الحياة خاوية من الأحلام التي اعتدنا ملء حياتنا بها".

هذا مشهد مألوف من حياتنا، ولأسباب متعلقة بالخوف ربما أو بانعدام الرغبة، فإن البعض يمضي حياته لاهثاً خلف حلم لا ليحققه، فقد تسنح له الفرصة مراراً لتحقيقه، لكنه يبقى أسير الحلم لأنه لو حققه لن يجد حلماً آخر يسعى من أجله، هو فقط يريد أن يملئ حياته بحلم حتى يعتذر لنفسه عن ضياع العمر دون طائل، هذا ما فعله ياقوت، وكم من ياقوت بيننا!

 لذلك أعظم ما يفعله المثابرون والناجحون أنهم يعددون أحلامهم، فكلما حققوا حلما انتقلوا فوراً إلى الحلم الذي يليه، دون أن يخافوا تحقيق أحلامهم فتصبح حياتهم خاوية منها، كما أن تعدد الأحلام يمنع عنهم الخيبات أو يقلل وطأتها، فحين نحقق بعض أحلامنا يكون ذلك مواساة لنا إذا تعذر تحقيق بعضها الآخر، تخيل حجم الحسرة التي ستأكلك لو أنك عشت العمر كله على أطلال حلم واحد فقط ولم يتحقق، أو كان جُل ما يرعبك أن تحقق حلمك الوحيد فتصبح حياتك بلا جديد؟!

رغم أنه توفي وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ولم يؤدِ سوى بطولة ثلاثة أفلام فقط، إلا أن الممثل الأميركي جيمس دين أصبح أحد أساطير هوليوود، والفنان الوحيد الذي رشح مرتين لجائزة أوسكار بعد وفاته، لكن التاريخ لم يخلده بسبب أفلامه وترشيحه للأوسكار، أو بسبب حادث السيارة المفاجئ الذي أودى بحياته، بل لأنه عاش حياته حالماً، هذا ما يتضح لك حين تعرف أنه صاحب العبارة الشهيرة: "أحلم كما لو أنك ستعيش إلى الأبد، وعش كما لو كنت ستموت غداً".

وهكذا نحن دائماً أمام خيارين: إما أن نعيش الحياة على طريقة ياقوت: (حلم واحد ونخاف من تحقيقه حتى لا تصبح حياتنا خاوية من الأحلام)، أو أن نعيشها على طريقة جيمس دين: "أحلم كما لو أنك ستعيش إلى الأبد، وعش كما لو كنت ستموت غداً"، بمعنى آخر: إما أن نمر في الحياة كما يمر الحلم في منامنا، وإما أن نخلد فيها بسبب أحلامنا التي نراها ونحققها في الواقع لا في الحلم!