جبرا إبراهيم جبرا.. الهدوء والطوفان معاً!

 

منذ أن تضع عيناك على كتاباته يشدك بحسه الأدبي في الكتابة، ليأخذك ببساطة سرده إلى الأفق، ويتخطى بك حاجز الحلم، ويصل بك إلى الغاية، وكأن المشهد يعاد أمامك من جديد.

فإذا أردت أن تعيش فلسطين بقراها وحاراتها وبياراتها وحقولها، وتتعرف على مساجدها وكنائسها، فليس أمامك سوى الغوص في قراءة "البئر الأولى" التي تحكي سيرة ذلك الطفل الفسلطيني الذي عاش الحياة بكافة تقلباتها وتحولاتها ومواقفها، ليصبح فيما بعد أحد أهم عمالقة الأدب الفلسطيني والعربي.

 إنه جبرا إبراهيم جبرا، المفكر والمثقف والرسام، والمولود عام 1920، في مدينة بيت لحم، والمتميز بتعدد مواهبه، وسعة إطلاعه، حيث كتب وألف في معظم الأنواع الأدبية الحديثة، لتتجاوز مؤلفاته الإبداعية والمتنوعة 60 مؤلفاً في إثراء وإغناء المكتبة العربية في مجالات القصة القصيرة؛ والرواية؛ والشعر؛ والمقالة؛ والبحث الأدبي.

ليبدع أيضاً بترجمة العديد من المؤلفات لكبار كتاب الأدب الإنجليزي، وخاصة أعمال المسرحي والعالمي وليام شكسبير، إلى جانب مساهمته في حركة التجديد في الفكر العربي المعاصر، لذا اعتبر أحد رواد التجديد المعاصرين في العالم العربي. 

عاش الراحل بين مدينة بيت لحم والقدس التي التحق فيها بالمدرسة الرشيدية، ليدرس اللغة العربية على يد الشاعر إبراهيم طوقان، ثم تابع دراسته في الكلية العربية والتي تتلمذ فيها على يد الأديب إسحاق موسى الحسيني.

بعد تخرجه من الكلية حصل على بعثة دراسية إلى بريطانيا، ويلتحق بجامعة إكستر لأشهر، ومن ثم ينتقل إلى جامعة كامبريدج، حيث درس فيها الأدب الإنجليزي، وتخرج منها عام 1943، وخلال تلك الفترة كتب الكثير من الشعر باللغة الإنجليزية، وقد بدا واضحاً وقتها تأثر منهجه النقدي بالشاعرين "شيلي"، و"كيتس"، والذي ظهر جلياً فيما بعد في كتبه ومقالاته.

عاد جبرا بعد تخرجه إلى القدس، وعين كأستاذ للأدب الإنجليزي في مدرسته القديمة الرشيدية، وقد تولى رئاسة نادي الفنون، الذي كان تابعاً لجمعية الشبان المسيحية في القدس، وخلال هذه الفترة تابع دراسته للحصول على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة كامبريدج عن طريق المراسلة.

ولظروف الحرب والنكبة غادر جبرا إلى بغداد للالتحاق بالعمل كأستاذ محاضر في الكلية التوجيهية، ومنها انتقل إلى كلية الآداب والعلوم، والتي كان له دورٌ كبير في تأسيس قسم الأدب الإنجليزي فيها، إلى جانب عمله أيضًا كمحاضر في دار المعلمين العالية، وكلية الملكة عالية للبنات.

استقر جبرا في بغداد حتى توفي ودفن هناك عام 1994، ليتميز طوال مسيرته المهنية بأسلوب كتابي لم يسبقه أحد إليه من قبل، معالجاً عبر كتاباته الشخصية الفلسطينية في الشتات والداخل، حتى أنه كان من أكثر النقاد حضوراً ومتابعة في الساحة الثقافية العربية.

للراحل مؤلفات عديدة، أهمها: السفينة؛ البحث عن وليد مسعود؛ صراخ في ليل طويل؛ الغرف الأخرى؛ صياديون في شارع ضيق؛ شارع الأميرات؛ يوميات سراب عفان؛ عالم بلا خرائط بالاشتراك مع الروائي الراحل عبد الرحمن منيف.

وبذكرنا لمنيف، صديق عمر جبرا، أرى من الأهمية ذكر ما كتبه عنه حين قدم كتابه "شارع الأميرات"، يقول منيف: "جبرا أحد الذين خرجوا عن السرب، وأكثر الذين رفضوا الدخالة، بالمفهوم القبلي، فقد كان، ومنذ وطأت قدماه أرض العراق، جديداً ومختلفاً. إذ بمقدار ما كان نزيهاً ومخلصاً في خدمة الثقافة التي عاش في ظلها، فإنه لم ينكر ولم يتنكر، سواء للثقافة الأوسع، أو لجذوره وبداياته الأولى".

جبرا؛ الموسوعوي والنخبوي ومتعدد المواهب، كنت مثل غيرك من الروائيين العرب الذين عبروا عن أزمة المثقف العربي بقدرٍ كبير من الوضوح والشفافية، فحقٌ علينا تذكرك وقراءة كتاباتك التي ما تزال حاضرة دائماً في عالم الأدب والفكر والثقافة.