"فن اللامبالاة".. محاولة لتصوير الحياة بهيئتها الأكثر وضوحاً

حين تشرع بقراءة كتاب فن اللامبالاة لمؤلفه مارك مانسون، ستجد في مقدمته قصة حياة الشاعر والروائي الأمريكي المعروف تشارلز بوكوفيسكي، ولم يخترها المؤلف ليبدأ بها كتابه عبثاً، أو ليخبر الناس عن نجاح بوكوفيسكي بوصفه أحد أشهر الأدباء في القرن العشرين، فهذا الشيء معروف للقاصي والداني، لكن المؤلف استدل بقصة حياة بوكوفيسكي على حقيقة مفادها أن سر نجاح أي إنسان هو معرفته بنفسه، ذلك أن من يكتب عن نفسه بصدق، ويروي تفاصيل حياته دون تجميل أو مواربة، ويعترف بضعفه مثلما يعترف بقوته سيكون مصيره النجاح، وهذا تماماً ما حدث مع بوكوفيسكي، الذي دخل بوابة النجاح بعد أن تجاوز الخمسين من عمره، وربما يمكن تلخيص حياته وقصة نجاحه بعبارة "لا تحاول" التي أوصى أن تُكتب على قبره، وكان يقصد بذلك لا تحاول أن تكون شخصاً آخر، فقد عاش عمره متقبلاً حقيقة أنه فاشل في عمله وفي حياته (باستنثاء الكتابة)، وهذا سبب نجاحه !

الحياة قائمة على الخسارات والمشاكل، فلا تنزعج منهن!

ربما تحت هذا العنوان يمكن تلخيص فكرة كتاب "فن اللامبالاة"، فالحياة مليئة بالخسارات والعقبات، ليس فيها ربح دائم، ولا راحة مستمرة، كل ما عليك فعله أن ترضى وتقبل، وأن تعيش حزنك كاملاً مثلما تعيش فرحك كاملاً، ثم أن السعادة الأكبر تأتي من حل المشاكل، وفي قصة الأمير الذي يسردها المؤلف في الفصل الأول ما يدل على أن الألم والخسارة أمران لا يمكن تجنبهما، فالأمير الذي أراد والده تسخير كل متاع وملذات الحياة له حتى لا يُحرم من شيء، يقرر أن يغادر القصر وحياة الترف لعله يصبح بصيراً بالحياة بعد أن يستشعر طعم المعاناة، لكنه يصدم بحياة الفقر والحاجة التي يعيشها الناس خارجه، ويكتشف أن المعاناة لم تحقق له ما أراد، تماماً مثل حياة النعيم، ويكتشف أن المعاناة لم تحقق له ما أراد، تماماً مثل حياة النعيم، فالحياة بحد ذاتها نوع من أنواع المعاناة، يعاني فيها الأثرياء بسبب ثرائهم مثلما يعاني فيها الفقراء بسبب فقرهم، ويعاني من لديه أسرة بسبب متطلباتها، ويعاني من ليس لديه أسرة لأنه محروم منها، وعلى هذا الأساس شكل الأمير فلسفة مفادها أن علينا الإقلاع عن مقاومة الألم والخسارة وتقبلهما، إنه الأمير الذي أصبح فيما بعد "بوذا" المعروف للعالم كله.

السعادة قرار

يجيب الكتاب على سؤال لطالما كان موضع جدل وهو: هل السعادة قرار أم نصيب؟ والإجابة أنها قرار وعليك السعي من أجلها، حيث يقول الكاتب إن السعادة عملية منطقية يمكن للمرء أن يحققها كما يحقق لنفسه القبول في الجامعة، لكنها تحتاج إلى نضال لتحقيقها، لأنها ثمرة مصارة المشكلات، ولا بد من كسب الإحساس الحقيقي والجدي بقيمة ومعنى الحياة، من خلال اختياراتنا وحسن إدارة صراعاتنا واختيار معاركنا.

ثلاث خطوات لفن اللامبالاة الذكي

هناك ثلاث أمور عليك أن تتفهمها لتصل إلى مرحلة فن اللامبالاة الذكي، أما الأمر الأول فهو أن عدم الاهتمام لا يعني عدم الاكتراث دائماً، فهناك أشياء تستحق الاهتمام فعلاً، لكن عليك ان تهتم بالطريقة التي تريحك، أما الأمر الثاني فهو أن عليك تجاوز الصعاب من خلال التركيز على أشياء أهم منها، والأمر الثالث أن عليك الاقتناع بأنك أنت دون سواك من تمنح الأشياء اهتماماً.

كما يشير الكاتب إلى مسألة غاية في الأهمية، وهي أن رغبتك بالمزيد من التجارب الإيجابية هي تجربة سلبية بحد ذاتها، أما قبولك التجارب السلبية فهي تجربة إيجابية بحد ذاتها، فكلما سعيت لأن تكون في وضع أفضل كلما قل منسوب رضاك، وهذا ما يسمى بالقانون التراجعي للفيلسوف آلان واتس.

جزءاً من تاريخك لا من مصيرك

في تقبل الفراق وانتهاء العلاقات يؤكد الكاتب أن النظرة المنطقية للأشياء قد تخفف ألمها، فبعض الأشخاص هم جزء من تاريخك وليسوا جزءاً من مصيرك، بمعنى أن هناك فرق بين العابر في حياتك والمقيم، وهي فكرة تشبه تماماً ما ذكره خبير التنمية البشرية الدكتور إبراهيم الفقي قبل سنوات، حيث قال: في رحلة حياتك ستلتقي بأشخاص تكون مهمتهم مساعدتك في هذه المحطة فقط، وليس إكمال الرحلة، لذلك دعهم وشأنهم".

دع الموت يدفعك للخلود لا للخوف!

بعد أن خسر مارك مانسون صديقه المفضل، دخل في حالة اكتئاب شديدة جداً، وشعر باللاجدوى من فعل أي شيء، وبدأ يفكر: ما قيمة كل ما نفعله إذا كان الموت نهايتنا؟

إنها الفكرة التي جعلته ينظر للأمور بطريقة أخرى، فإذا أمضينا الجزء الأكبر من حياتنا في تجنب ما يؤلمنا ويزعجنا فإننا بالضرورة سنتجنب أن نكون أحياء.

ورغم أن الموت يخيفنا لكنه الضوء الذي نبصر فيه المعنى الحقيقي للحياة ، ولولا وجوده لصار كل شيء معدوم الفائدة .

يشير مانسون إلى فكرتين رئيستين ذكرهما أرنست بيكر في كتابه " إنكار الموت"، الأولى أن الإنسان هو الوحيد القادر على تصور نفسه والتفكير فيها بشكل محايد ومجرد، لأنه يستطيع تخيل نفسه في حالات افتراضية وتأمل ماضيه ومستقبله، وهذه القدرة العقلية تساعده على إدراك حتمية الموت في مرحلة ما، أما الفكرة الثانية فمفادها أن للإنسان نفسين، النفس الجسيدة التي تشرب وتأكل، والنفس المُتخيلة وهي مجموعة أفكار وتصورات، ولهذا ندرك أن نفسنا الجسدية ستموت، لكن نفسنا المتخيلة قادرة على العيش إلى الأبد، وينتهي مانسون في كتابه إلى التأكيد على أنه بإمكان كل منا أن يكتب قصة خلوده وما يبقيه في ذاكرة الناس.

يعتبر كتاب "فن اللامبالاة" الصادر عام 2016 من أهم كتب التنمية البشرية، ومن أكثر الكتب مبيعاً وفقاً لنيويورك تايمز، وربما أن سبب شهرته كانت بابتعاد مؤلفه عن التنظير ووضع الإنسان في مواجهة نفسه ونقصه وعقباته، فلا حياة سعيدة أبداً، ولا نجاح بدون فشل، ولا يوجد شخص استثنائي، فالإحساس الدائم بالتميز يجعلك تنسى شعور الآخرين بك ومن حولك.