حريق الغابات.. لماذا يصر العالم على خنق رئتيه؟

من جديد، يفتتح ملف حريق محمية غابات اليرموك، شمالي المملكة، مسلسل حوادث الحرائق المفتعلة أو بفعل الطبيعة إلى الواجهة؛ ليقرع كافة الطبول التحذيرية والمجتمعية والبيئية والزراعية، في مشهد بات يتكرر كل عام، ويخلف وراءه أضراراً بشرية ومادية كبيرة.

وفي موعد مبكر؛ سبق حتى حملات المناشدة الموسمية الصيفية لحماية الغابات والأشجار، التهم حريق "اليرموك" ما يقارب 1630 دونماً مزروعة بالأشجار، وألحق الضرر بـ 500 شجرة و250 شجرة صنوبر حلبي و2000 شجير خليط من السويد الفلسطيني، الزعرور والقنديل وما يقارب الـ 2000 من الملول.

التحقيقات كشفت أمس، أن حريق المحمية تم افتعاله من قبل أشخاص مجهولي الهوية، ليلحق هذا الحريق بسلسلة حوادث أخرى ليست الأولى من نوعها في الأردن، تزامناً أيضاً مع حوادث أخرى في الوطن العربي والعالم، كانت أكثرها في لبنان وأمريكا وتركيا وتونس وفلسطين، وغيرها.

مسلسل حرائق الغابات يكون إما بسبب الإهمال، أو بهدف التحطيب، في حين أن أغلب الحرائق المفتعلة قصدية، وباتت تجارة موسمية للبعض، ما يجعل الضرر أكبر، وبالتالي؛ يتحول مكان الحريق لمكان لجمع الحطب، ونقله، ثم بيعه.

دع عنك أيضاً؛ مسألة تغير المناخ التي تفاقم هذه الحرائق من خلال زيادة الجفاف ودرجات حرارة الهواء المرتفعة والرطوبة النسبية المنخفضة والبرق والرياح القوية، فضلاً عن أن هذه التغير غالباً ما يكون عن طريق تدمير النظم البيئية الحساسة والغنية بالكربون مثل أراضي "الخث والغابات المطيرة".

في الأردن؛ تصل عدد حرائق الغابات لنحو 8 آلاف حريق سنوياً، وهناك ما يقارب 3912 حادث حريق للأشجار والأعشاب بشكل عام في مختلف مناطق المملكة، وفقاً لإدارة الإعلام والتثقيف الوقائي في مديرية الدفاع المدني.

وحسب المادة (33) من قانون الزراعة الأردني، "يعاقب كل من يتسبب في إشعال النار في الحراج الحكومي أو الخاص بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبغرامة مقدارها 50 ديناراً عن كل شجرة أو شجيرة حرجية أتلفها الحريق ويلزم بدفع تكاليف إطفاء الحريق".

مقابل ذلك؛ تبذل على سبيل المثال، الجمعية العربية لحماية الطبيعة عبر مبادراتها وتحركاتها المتنوعة جهوداً كبيرة لحماية الطبيعة والبيئة في الأردن والدول العربية، في ظل ما تواجهه البيئة من تحديات وأخطار متزايدة، وعلى الأخص ما تتعرض له نتيجةً للصراعات والحروب.

وإحدى تلك المبادرات المهمة في هذا السياق، برنامج "المليون شجرة"، الذي تنفذه الجمعية ونجحت من خلاله بزراعة 2.6 مليون شجرة في فلسطين والأردن لغاية الآن.

أما عربياً؛ فكان لبنان الأكثر تعرضاً لحوادث الحريق، حيث شهدت غاباته العام الماضي أكثر من 3 آلاف حريق جلها سجلت بـ "المفتعلة"، ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ وتغير استخدام الأراضي إلى زيادة تواتر اندلاع حرائق الغابات وشدتها، مع زيادة عالمية في الحرائق الشديدة بنسبة تصل إلى 14% بحلول عام 2030، و30% بحلول نهاية عام 2050 و50% بحلول نهاية القرن، وفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة وقاعدة بيانات الموارد العالمية (أريندال).

عالمياً؛ اعتبر حريق "السبت الأسود" عام 2009 في أستراليا الذي أودى بحياة 173 شخصاً واكتسحت نيرانه العديد من البلدات، الأسوأ والأخطر على مدى السنوات الأخيرة، وكذلك حرائق روسيا التي قتلت 62 شخصاً، واحتراق نحو 2.3 مليون هكتار من الأراضي بسبب اندلاع 32000 حريق في سلسلة متتالية.

بعد هذا الحد من كوارث حرائق الغابات والأشجار، لا يمكن بعد اليوم طي ملف حادثة محمية اليرموك ليضاف كرقم جديد إلى سجل حوادث حرائق الغابات، ومن المهم تشديد العقوبات بحق مفتعلي الحرائق ومحاسبتهم، والالتفات بشكل أكبر لحماية حرائق الغابات والإنفاق عليها، حفاظاً على الأشجار والأراضي والثروة الحيوانية والوطنية.

ثمة اليوم حاجة ماسة من قبل المتخصصين والناس، إلى فهم سلوك البيئة والطبيعة بشكل أفضل، وإلى تعاون إقليمي ودولي وتضافر الجهود بين كافة الجهات لإيقاف ومنع هذه الحرائق، وتقديم الدعم الفني والمالي لكافة المؤسسات الشريكة في حماية الطبيعة، وصولاً إلى وضع مزيد من السياسات والأطر القانونية التي تشجع على استخدام الأراضي بشكل مناسب وتمنع سوء استخدامها.