لا بد أن تعود.. لا بد أن تسود!

شاخت نكبتنا، صارت في الرابعة والسبعين من عمرها، فلا هي تعافت من واقعها المؤلم، ولا نحن تعافينا من الأمل بأننا سنعود يوماً، وفي كل عام نؤجل الأمنيات لعامٍ قابل!

منذ 74 عاماً ونحن نولي قلوبنا شطرها، رافضين الاعتراف بنكبة، ومؤمنين أن ما جرى ليس أكثر من حلمٍ مزعج، فالخيام لا يمكن أن تكون مكاناً للسكن وبديلاً عن الوطن كما صورتها العدسات ووثقتها الأفلام والمسلسلات، والمخيم ليس أكثر من كذبة يخوفنا بها الآباء حتى لا نبتعد عن باب البيت، أما دخول مجموعة من العصابات إلى بلد وسرقة تاريخه وتهجير أهله وإقامة دولة داخل دولة فهي خرافة لا يصدقها عاقل!

لكن هذا حدث فعلاً، والذين أُخرجوا من بيوتهم عام 1948 وظنوا أن الأمور لن تطول أكثر من يومِ أو بعض يوم ماتوا على قارعة الانتظار بعيداً عنها، مات الجيل الذي يليه، وبقيت الأجيال تتوارث عن الآباء والأجداد حبها واليقين بالعودة إليها كما تتوارث الصفات والملامح والأموال، مع غصة بالقلب كلما رأينا صورها من بعيد، أو كلما مر ذكرها في جلساتنا ومنامنا ويقظتنا! 

منذ 74 عاماً والحال لم يتغير: نسمي الفتيات باسمها، ويحمل أولادنا أسماء أبطالها، نحب من أجلها، ونعادي لأجلها، ونحمل حقنا فيها أنّى توجهنا، وسنظل نحمله حتى يوم تضع كل ذات حملٍ حملها!

منذ 74 عاماً وهي ميزان تقييم الأشياء، يزداد وزن من يرفع قدرها ويعادي عدوها، وتتضاءل قيمة من يخونها ويصافح عدوها، منذ 74 عاماً وهي حبنا الأول، عمرنا الثاني، عيننا الثالثة، عذرنا الرابع للخضر والحياة، فصلنا الخامس، شهرنا الثالث عشر، ساعة يومنا الخامسة والعشرين، كل الأمكنة وكل السنين!

ربما لم تتعرض فلسطين منذ نكبتها الأولى لمؤامرات ومحاولات لتصفية قضيتها كما يحدث اليوم، فالتطبيع صار جهاراً نهاراً، والوقوف مع عدوها صار واضحاً فاضحاً، والظلم بلغ ذورته، لكن الرهان والأمل يبقى معلقاً على أولئك الأبطال الذين يحفظون نكباتها ونكساتها وانتصاراتها وحجارتها وأزقتها كما يحفظون النصوص السماوية، الذين حُفرت بلدنا السليبة في ملامحهم ولهجاتهم، ودسوا خارطتها في قلوبهم، فلا تضعفهم خيانة ولا يضرهم تطبيعٌ جديد لا تسود قلوبهم بالبغضاء والفتن، ولا يطأطون رؤوسهم للشدائد والمحن.

الرهان على هؤلاء وحدهم، ولن يعيد الحق إلى صوابه سواهم، فلا بد لفلسطين أن تعود، لا بد لها أن تسود!