حرية الصحافة في العالم العربي.. معيقات أحلاها الحظر وأمرُّها القتل!

"الشرق الأوسط في خطر، لا يزال بعيداً كل البعد من أن يكون موطناً مثالياً لممارسة مهنة الصحافة"، هذا ما جاء في التصنيف الجديد لمنظمة مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة في دول العالم وفقاً لمؤشر حرية الصحافة العالمي.

 التصنيف الذي جاء  تحت عنوان "عصر الاستقطاب الجديد" وشمل 180 دولة ، وضع جزر القمر في المرتبة الأولى عربياً حيث احتلت المركز (83) عالمياً، وجاءت تونس ثانياً في المركز (94)، وموريتانيا ثالثاً في المركز (97)، وقطر رابعة في المركز (119)، والأردن خامسة في المركز (120). بينما جاءت مصر في المركز (168)، واليمن في المركز (169)، وفلسطين في المركز (170)، وسوريا في المركز (171)، وتذيلت العراق ترتيب الدول العربية وجاءت في المركز (172)، واحتلت الدول الاسكندنافية النرويج والدنمارك والسويد المراتب الثلاثة الأولى عالمياً

منهجية جديدة في التصنيف

للمرة الأولى اعتمد تصنيف "مراسلون بلا حدود" - وهي منظمة دولية غير ربحية وغير حكومية هدفها المعلن هو حماية الحق في حرية المعلومات- منهجية جديدة قائمة على أسس رئيسية هي: الإطار السياسي، والاجتماعي، والثقافي، والأمني، والثقافي، فضلاً عن الإطار القانوني لكل دولة، واستبيانات مكونة من 123 سؤالاً أُرسلت إلى صحفيين وخبراء في كل دولة لرصد أكبر عدد من المعلومات التي ساعدت على إنجاز هذا التصنيف وضمان دقته.

وأشار التصنيف إلى أن الانقسام داخل المجتمعات الديمقراطية ازداد بشكل كبير مع توسع نموذج «فوكس نيوز» في الإعلام، وكذلك انتشار دوائر التضليل والأخبار الكاذبة التي تتضخم على وسائل التواصل الاجتماعي،  مع الإشارة إلى الحرب على أوكرانيا التي بدأت بحرب بروباغندا من خلال الدور التحريضي الذي لعبه الإعلام الروسي في التحريض على الحرب ضد كييف.

صحافة العالم العربي بين كماشة الاعتداءات وحجب المعلومات

رغم أن دولة مثل تونس احتلت المرتبة الثانية عربياً، لكنها في الحقيقة تراجعت إحدى وعشرين نقطة في التصنيف، ويرجع ذلك إلى تسجيل أكثر من مئتي حالة اعتداء على الصحفيين خلال السنة الماضية، رافقتها محاكمات في القضاء العدلي والعسكري للصحفيين في قضايا النشر، إضافة إلى إغلاق مصادر المعلومات في وجه الصحفيين، وهذا السبب الأخير مشكلة عابرة لأغلب الدول العربية، فرغم وجود قوانين حق الحصول على المعلومة، إلا أنها ما زالت حبراً على ورق.

كما أبدى التصنيف تخوفه من غرق لبنان في دوامة العنف مع تزايد الهجمات عبر الإنترنت والتهديدات بالقتل ضد الصحافيين، الذين  اضطر العديد منهم للفرار إلى الخارجوفي الحديث عن القتل استشهدت "مراسلون بلا حدود" بالصحافي والباحث لقمان سليم الذي لقي حتفه العام الماضي.

أما في اليمن، فوصف التصنيف حياة الصحافيين في مدينة عدن بالجحيم، مُذكراً بثلاثة منهم لقوا حتفهم متأثرين بجراحهم في تفجيرات وقعت أثناء تغطيتهم الصحافية، ونجا آخر هو محمود العتمي من محاولة اغتيال بسيارة مفخخة، لكن زوجته الصحافية رشا عبد الله الحرازي قتلت.

ووصف التقرير السجون التي يقبع بها الصحافيون في مصر والسعودية بأنها من ضمن أسوأ السجون في العالم، بينما اعتبر أن حبس الصحافيين في دول المغرب العربي بات أمراً شائعاً بعد تدهور أوضاع الصحافة بشكل مقلق، ورغم أن الأردن تقدم بمقدار 9 درجات عن العام الماضي، إلى  أن التصنيف دعا السلطات الأردنية إلى تمكين الصحافيين للعمل بحرية مندداً بمحاكمة ستة منهم خلال أقل من شهر وتوقيف البعض منهم على قضايا مطبوعات ونشر .

 

فلسطين.. وتستمر الاغتيالات

ولم تكن فلسطين المحتلة بحاجة لتصنيف "مراسلون بلا حدود" لحالة الحريات الصحفية فيها، فحياة الصحافيين معرضة للخطر قبل التصنيف وأثناء إعداده وبعد صدوره، فالتصنيف  الذي تحدث عن الثمن الباهظ الذي دفعه الصحافيون الفلسطينيون أثناء تغطيتهم لاعتداءات الاحتلال في القدس العام الماضي، إضافة إلى مقتل اثنين منهم في العدوان العسكري على غزة ، كان قد صدر قبل أيام من اغتيال الصحافية الفلسطينية ومراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة برصاصة استقرت في رأسها أثناء تغطيتها اقتحام قوات إسرائيلية لمخيم جنين صباح الأربعاء، ليستمر مسلسل اغتيال قوات الاحتلال الاسرائيلي للصحافيين الفلسطينيين ، حيث تخطى عددهم المئة منذ عام 1972 وحتى اليوم .

أسئلة عابرة ولا من مجيب!

ربما مع هذه النظرة العامة على تدهور حرية الصحافة في العالم العربي نجد تفسيراً لجنوح وسائل الإعلام نحو الأخبار المليئة بالسخافة والخواء، وابتعادها عن نبض الشارع، فكلما اقتربت أكثر من وجع الناس كلما كانت أقرب إلى المواجهة مع السلطة وعقوباتها، إنها المواجهة التي لا يعتبرها كثيرون حربهم.

وفي ظل ذلك، يظل السؤال عن سبب تراجع حرية الصحافة في العالم العربي دائراً بحثاً عن إجابة، وهل المبررات التي يقدمها المقيدون للصحافة منطقية؟ وكيف تنهض المجتمعات دون سلطة رابعة تميز الحقيقة وتحاسب المسؤول؟ وهل سيبقى الصحافيون في دولنا العربية يكابدون معيقات أحلاها الحظر والغرامة وأمرها القتل؟!

إنها الأسئلة العابرة للأزمنة والأمكنة، ولا من مجيب!