رصاصة في رأس شيرين اخترقت قلوبنا!

رصاصة واحدة، أسفل الأذن تحديداً تحت خوذتها الواقية، قتلت الإعلامية شيرين أبو عاقلة، حين كانت تغطي وقائع اقتحام الاحتلال الإسرائيلي لمخيم جنين للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية، رافق ذلك الإعدام الحي لشيرين إصابة مراسل صحيفة القدس، علي السمودي، برصاصة أيضاً في الظهر. 

الرصاصة الواحدة تلك تنطوي على تصميم وقرار مسبق بقتل الزميلة أبو عاقلة، التي استطاعت على مدار سنوات تحويل القصص اليومية والحكايا الفلسطينية مع الاحتلال إلى صور حية نسمعها ونشاهدها. 

لم تنجح السترة التي استشهدت أبو عاقلة وهي ترتديها في حمايتها من رصاص الاحتلال، فارتحلت بعد وقت قصير من إصابتها، لتستنهض بنبأ استشهادها ذاكرة جيل كامل بوجهها وبصورتها وهي ترتدي الخوذة والسترة الواقية من الرصاص. 

وعلى خط التمدد الاستيطاني في مخيم جنين قتلت شيرين عمداً، وقاتلها لم يخف وجهه على نحو ما يفعل من يقدم على الاغتيال، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي وتعدياً سافراً على حرية الإعلام والتعبير وحق الشعوب في الحصول على المعلومات.

في هذا السياق؛ ينص القانون الدولي العرفي على أنه "يجب احترام وحماية الصحفيين المدنيين العاملين في مهام مهنية ما داموا لا يقومون بدور مباشر في الأعمال العدائية".  

كما نصت المادة رقم 9 من قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1325 "تطلب من جميع الأطراف في الصراع المسلح أن تحترم احتراماً كاملاً القانون الدولي المنطبق على حقوق النساء والفتيات وحمايتهن وخاصة باعتبارهن مدنيـات، ولا سـيما الالتزامات المنطبقة علـى هـذه الأطـراف بموجب اتفاقيات جنيـف لعـام 1949 وبروتوكولهـا الإضافي لعـام 1977". 

من هي أبو عاقلة؟ 

 ولدت شيرين أبو عاقلة عام 1971، في مدينة القدس، ودرست بداية الهندسة، ثم انتقلت إلى دراسة الصحافة المكتوبة والتحرير في جامعة اليرموك الأردنية، لتعود إلى فلسطين وتبدأ عملها في الإذاعة والتلفزيون، مبتعدة تماماً عن مجال اختصاصها أي الصحافة المكتوبة.

 فعملت مع إذاعة صوت فلسطين، وقناة عمّان الفضائية، لتنتقل بعدها عام 1997 إلى قناة الجزيرة القطرية وتتحول إلى واحدة من أبرز مراسليها حول العالم، إلى جانب عملها كمراسلة لإذاعة مونتي كارلو الفرنسية، الناطقة باللغة العربية، كما عادت أخيراً إلى مقاعد الدراسة، وتحديداً جامعة بيرزيت الفلسطينية، لتحصل على دبلوم في الصحافة الرقمية.

طبعت مسيرة أبو عاقلة الصحافية بمحطات عدة، فكانت أول صحافية عربية تدخل إلى سجن عسقلان لتقابل الأسرى الفلسطينيين المحكومين لسنوات طويلة من قبل محاكم الاحتلال، كما غطت جرائم الاحتلال المتواصلة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية: من الانتفاضة الثانية، ثم اجتياح مخيم جنين عام 2002 واجتياح طولكرم في العام نفسه، والحروب الإسرائيلية على غزة، مروراً بالتفاصيل اليومية لهدم بيوت المقاومين والأسرى، وتهجير الفلسطينيين، وغيرها.

قتل متعمد.. الاغتيال المباشر للصحفيين

ولن تكون الشهيدة أبو عاقلة، الوحيدة التي قتلت على يد أبشع احتلال عرفته البشرية، فمنذ العام 1972 قتل 102 صحفي، بينهم 19 صحفياً برصاص الاحتلال منذ العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة عام 2014، وفقاً لنقابة الصحفيين الفلسطينيين. 

وفي العام الماضي استشهد برصاص الاحتلال الصحفيان ياسر مرتجى، وأحمد أبو حسين، خلال تغطيتهم لمسيرات العودة عند الشريط الحدودي لقطاع غزة، فيما أصيب منذ العام 2018، 97 صحفياً بالرصاص الحي جراء استهداف جنود الاحتلال لهم، بالإضافة إلى 89 إصابة مباشرة بقنابل الغاز المسيل للدموع، و52 حالة اعتقال في سجون الاحتلال.

ومنذ بداية العام الجاري سجل 136 اعتداء تعرض له الصحفيون من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ليصل عدد الاعتداءات على الصحفيين منذ العام 2014 وحتى اليوم إلى 838 اعتداء.

ووفق منظمة "مراسلون بلا حدود"، فهناك 65 صحفي وعامل بمجال الإعلام، ممن فتلوا خلال تأدية عملهم عام 2017، من بينهم 50 صحفياً محترفاً، و7 ممن يطلق عليهم المواطنين الصحفيين، و8 من العاملين الآخرين بمجال الإعلام. وكانت الدول الأخطر على الصحفيين هي: سوريا، المكسيك، أفغانستان، العراق، والفلبين.

الإدانة وحدها لا تكفي! 

جريمة قتل أبو عاقلة المفجعة والخارقة لكافة القوانين والأعراف الدولية والأديان السماوية، وغيرها من الجرائم بحق النساء والأطفال والعزل التي يمارسها الاحتلال بدم بارد ودون أن يرف له جفن، لا تكفي الإدانة وحدها، فمطلوب اليوم تفعيل قرار مجلس الأمن رقم 1325 من أجل حماية حقوق النساء والأطفال والرجال في فلسطين المحتلة، وكذلك تحقيق المساءلة والمحاسبة لجناة الاحتلال الذين تمادوا بانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني وكرامة الأمة العربية. 

ومطلوب أيضاً حماية الصحفيين وكل العاملين في مهنة الإعلام، خصوصاً في الأماكن التي تشهد اضطرابات وصراعات واشتباكات مسلحة، وضرورة وقف العنف ضدهم استجابة للحق في الوصول إلى المعلومات وحرية التعبير، خصوصاً أن القانون الإنساني الدولي يعتبر "الصحفيين والإعلاميين والأفراد الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق النزاعات المسلحة عموماً مدنيين، وينبغي احترامهم وحمايتهم".

علاوة على ضرورة مساءلة الاحتلال على هذه الجريمة المروعة وتقديم الضالعين فيها إلى العدالة الدولية، مع ضمان حماية حقوق الإنسان للنساء والأطفال والرجال وكبار السن وكل المدنيين في فلسطين بموجب مبادئ الحماية المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن رقم 1325. 

شيرين أبو عاقلة.. اخترتِ الصحافة لتكوني قريبة من الناس، ولتنقلي لنا أصوات المكلومين إلى العالم، بعد رفضك التام لمبدأ الحيادية مع الاحتلال. فلترقد روحكِ بسلام هنيئاً لكِ بهذه الشهادة والخزي والعار للفاشيين والجبناء.

خبر رحيلك الغادر قاسي جداً.. وكل العزاء لفلسطين وشعبها الصامد ولكل بيت عربي رويت له أخبار الأحرار.