"بالطلاق"!

ليس لدى وسائل الإعلام العربية أحداث مهمة تنقلها، فلا اقتحامات في المسجد الأقصى، ولا فساد سياسي وأخلاقي وتعليمي في بلادنا، ليس لدينا فقر، ولم يتذوق المواطن العربي يوماً طعم القهر، فلا اعتقالات، ولا تضييق على الحريات التي تدهورت بحسب التصنيف الصادر مؤخراً عن منظمة "مراسلون بلا حدود "، ولا بطالة، ولا شعور بانعدام المواطنة وهضم أبسط الحقوق، لا تخلف، ولا قتل على الهوية، وتمييز على الهوية، مع أننا فقدنا الهوية، وعلى هذا الأساس يحق لوسائل إعلامنا أن تسخر كل طاقاتها وإمكانياتها ومصادرها لمتابعة الظاهر والمخفي والقديم والجديد عن خبر طلاق رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة والممثلة ياسمين صبري، ولا بأس من نقل ردة فعل كل منهما بعد الانفصال، فالأول قال : "أنا لا أخسر أبداً، إما أن أربح أو أتعلم".. ما شاء الله! والثانية اكتفت بالقول: "في كل يوم أصبح نسخة أفضل من نفسي" .. تبارك الله! ولا ضير من الاستئناس برأي مأذون شرعي حول تكلفة الطلاق التي بلغت 17 مليون دولار حسب تخمينه، بل أن وسائل الإعلام فاضية البال والمحتوى بدأت منذ اليوم الأول بتوقع الفتاة التي ستخلف ياسمين صبري!

أخبار طلاقهما تتداعى يومياً بشكل مقزز، ولا مفر منها، فهي تحاصرنا على مواقع التواصل الاجتماعي، والصحف والمواقع الإخبارية، حتى أنك قد تجدها موضوع السهرة في البيوت والمقاهي، صاحب البقالة القريبة من بيتي علق على الأمر قائلاً: " يا ماخذ القرد على ماله بروح المال وبضل القرد على حاله"، ولم يكن لدي فضول لأسأله: أيهما القرد؟ ومال من منهما الذي راح؟!

ثم نستغرب من ضحالة الوعي الجمعي، ومن مشكلة العربي مع ترتيب الأولويات، ومن تقديم الغث على حساب السمين، ومن السطحية التي باتت تطفو على كل الأصعدة والمجالات! تلك نتيجة طبيعية للانشغال بأخبار الفاتح أحمد أبو هشيمة والمفكرة ياسمين صبري وإغفال الاحتلال الذي يتوسع، واللجوء الذي يتمدد، والظلم الذي صار القاسم المشترك الوحيد بين بلادنا العربية بعد أن ضاع كل ما يجمعنا بما في ذلك لغتنا!

كلنا قرأنا العبارة الشهيرة المنسوبة لجوزيف غوبلز وزير الدعاية في ألمانيا النازية: "أعطني إعلاماً بلا ضمير أُعطيك شعباً بلا وعي"، وها هو معناها يتجلى اليوم كأوضح ما يكون، فخبر طلاق صار أهم من كل الويلات التي نتجرعها من فلسطين وحتى العراق!

وهكذا بات العالم العربي يشتهر بأيمان الطلاق وكل الأخبار المتعلقة فيه!

أي بالطلاق ما إحنا نافعين!