ثرثرة قصيرة مع الذات!

"رب صدفة خيرٌ من ألف ميعاد"، وهذا حقيقي وعشته أمس حينما التقيت صدفةً بزميلة دراسة، كنا سوياً في ذات الجامعة والتخصص. المثير في هذا اللقاء العابر؛ هو لحظة مرور شريط ذكرياتي أثناء دراسة الصحافة، وكأنها حدثت اليوم.

في وقفتي القصيرة مع زميلتي، مرت الذكريات سريعاً في أجمل وأروع تجربة ليّ، والتي تشكلت فيها شخصيتي وكياني الذي أنا عليه، وتعرفت على أروع الناس وأبغض الناس معاً.

تذكرت كيف كنت لاهثاً وعطشاً نحو القراءة. فقرأت كل ما وقع بين يدي من كتب "دوستويفسكي" و"تولستوي" و"ألبير كامو" و"أنطون تشيخوف" وغيرهم من عمالقة الأدب العالمي، وتبحرت في الأدب العربي وعلى رأسهم، جرجي زيدان؛ ومصطفى العقاد؛ وجبرا إبراهيم جبرا؛ وحنا مينا؛ وكنفاني؛ ومنيف؛ ولكل من كتب بأسلوب خارج الإطار المعهود.

تذكرت أول عهدي مع أدب أمريكا اللاتينية أمثال: "غابرييل ماركيز، وفيكتور هوجو، وتشارلز ديكنز، وفرانز كافكا، وهيرمان هيسه"، وقائمة طويلة لا تعد من الأسماء.

بعد أن أشبعت شهوتي من قراءة الأدب انتقلت إلى الفلسفة وعلم النفس لعلاقتهما الوثيقة بالأدب، وهنا توسعت مداركي أكثر فأكثر، وزاد الوعي عندي بطبيعة الإنسان والبشر.

وصحيح أنني بقيت أعيش في قلق وحزن مما قرأت، ولكنني كنت أشعر بلذة عظيمة عندما أنتهي من قراءة كتاب؛ كنت أشعر بأنني أصبحت أقوى رغم التمزقات من كثرة التناقضات التي وجدتها في القراءة.

إلا أن النقلة النوعية كانت يوم بدأت بقراءة التاريخ والسياسة والأديان ومقارنة الماضي والحاضر، فصرت مزيجاً غريباً من الفلسفة الوجودية والأدب والفكر ونقد الفكر، حتى صرت حائراً أين أنا؟ وكيف وصلت إلى هنا؟!

نعم؛ أكسبتني القراءة المعرفة والقدرة على النقاش في أي حوار مع زملائي والناس، ومنهم من كان يتعجب، ومنهم من كان يظن أني أتفلسف، وفي نفس الوقت التناقض في نوعية ما قرأت جعلني ممزقاً بين عقلي وروحي، بين نفسي ونفسي، ما جعلني إنساناً غاضباً رافضاً للظلم والاستبداد البشري، وجعل لديّ الرغبة في تغيير أي وضع مهما كان.

خرجت من ذكرياتي مسرعاً، أسرع من سرعة الضوء، ثم، ابتسمت بسخرية، بعد أن ألقيت ما تبقى من سيجارتي على الأرض، لأسال زميلتي التي بدت منزعجة من صمتي: "ترى ما الذي أغرانا بهذا البلاء؟ وأقصد الصحافة والكتابة. لأكمل: "الحق علينا، نحن بني البشر، معظمنا، يختار الطريق الصعب الذي يتعذر معه النجاح، ويترك الطريق السهل المؤدي حتماً إلى نجاح مضمون!".

ردت زميلتي بصوت منخفض: "لم تتغير بعد كل هالسنوات، الفلسفة بدمك! ولساتك متشائل، بين التفاؤل والتشاؤم، كما كنت تقول لنا!