عبد الرحمن منيف.. "إن الليل طويل وأنت مُقمر"

"حين بدا موتي وشيكاً.. أطلقوا سراحي". ما تزال هذه الافتتاحية من رواية "الآن هنا.. أو شرق المتوسط مرة أخرى"، عالقة في البال رغم مرور سنوات على قراءتها، فمثل هذه المقدمات لا تنسى ولا تمحى من ذاكرة العربي الذي ما يزال حبيس خوفه ورعبه الدائم من سطوة الأنظمة المستبدة.

 صاحب هذه الرواية، الأديب السعودي الأبرز، وأحد أهم عمالقة الأدب العربي، عبد الرحمن منيف، والذي يعد من أوائل من كتبوا عن أدب السجون، وسلط الضوء على ممارسات الأنظمة البوليسية والمنظومة القمعية في السجون.

لم يكتف هذا الأديب أن يكون أديباً بارعاً وكاتباً روائياً وقاصاً ومؤرخاً، بل كان كذلك خبيراً اقتصادياً ومفكراً سياسياً صاغت اهتماماته المتنوعة رأسه، وصقلت مواهبه، فانعكست على رواياته التي تم اعتبارها من أهم الأعمال التي تناولت المجتمع العربي في فترة حساسة، شهدت فيها الأنظمة تحولات جوهرية مطلع القرن الماضي.

غربة الإنسان العربي في بلده، وأحلامه التي أجهضتها حكومات شرقنا الأوسط، ترجمها منيف في كتبه التي وصلت لنحو 28 رواية ومؤلفاً، ترجم بعضها لأكثر من لغة، إلا أن منيف - برأي كثير من الأدباء والنقاد- لم يأخذ حقه من التناول رغم تقديمه لأعمال غاية في الأهمية.

والراحل ولد عام 1933، من أب سعودي وأم عراقية، استقر في العاصمة عمّان حتى أنهى دراسته الثانوية، لينتقل بعدها لكلية الحقوق في بغداد عام1952، ويخوض غمار النشاط السياسي، ليصطدم حينها بطرده من العراق مع عدد كبير من الطلبة العرب بعد توقيع "حلف بغداد" عام 1955.

واصل منيف دراسته في جامعة القاهرة بمصر، ثم سافر عام 1958، إلى يوغوسلافيا للدراسة في جامعة بلغراد، حتى أصبح دكتوراً في العلوم الاقتصادية، ومتخصصاً في اقتصاديات النفط.

ولعل تخصصه في الاقتصاد هو الذي مهد له الطريق لكتابة خماسية مدن الملح: (التيه، والأخدود، وتقاسيم الليل والنهار، والمُنبت، وبادية الظلمات)، والتي تعد من أهم الروايات التي رصدت التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للنظام السعودي الذي نشأ بعد ثورة النفط، كما تناولت الأحداث التاريخية التي حدثت في الجزيرة العربية والسعودية على وجه الخصوص، خلال الفترة 1900 وحتى 1975.

يقول منيف في خماسيته: "قصدت بمدن الملح تلك التي نشأت في برهة من الزمن، بشكل غير طبيعي واستثنائي، بمعنى أنها لم تظهر نتيجة تراكم تاريخي طويل أدى إلى قيامها ونموها واتساعها، وهي عبارة عن نوع من الانفجارات، نتيجة "ثروة النفط"، التي أدت إلى قيام مدن متضخمة أصبحت مثل بالونات يمكن أن تنفجر وتنتهي بمجرد أن يلمسها شيء حاد".

يضاف إلى هذه الخماسية، كتابات أخرى مثل: الأشجار واغتيال مرزوق؛ وحين تركنا الجسر؛ وعالم بلا خرائط مع جبرا إبراهيم جبرا؛ وقصة حب مجوسية؛ وسباق المسافات الطويلة؛ وأم النذور؛ وسيرة مدينة: عمّان في الأربعينيات؛ والباب المفتوح؛ وأسماء مستعارة؛ وغيرها.

حاز منيف على جائزة العويس الثقافية في دورتها الثانية عام 1989، كما حصل على جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي في دورته الأولى عام 1998. وبعد وفاته بأقل من عام، في فبراير/شباط 2005، تم عقد ملتقى القاهرة للإبداع الروائي بعنوان "الرواية والتاريخ"، تكريماً له باعتباره الفائز الأول بالجائزة، وتخليداً لأعماله.

ذلك هو العربي التائه، مصارع الرمل والصحراء، الذي قضى حياته مرتحلاً بين المنفى في رحلة بلا محطة نهائية، غير مبالٍ بالهزائم التي لحقت به لكثرتها.

منيف؛ لن يعود، ولكنه سيبقى مُقمراً ومشعاً ينير حلكة الليل الطويل في شرقنا المأزوم!