بين ياسر العظمة ورامز جلال!

أشعر بالأسى كلما شاهدت حجم الضحالة والإسفاف، وغياب الفكرة والعبرة وحتى الرقابة في الأعمال الكوميدية التي باتت تعرض خلال شهر رمضان المبارك، وأجدني أعود إلى مرايا وحكايا الفنان السوري الكبير ياسر العظمة، حيث كانت المرايا تعكس واقعنا فعلاً، وكانت الحكايا مأخوذة عن لسان الشارع العربي بدون تبهير أو إضافات، فيشاهد ابن بلاد الشام حلقة عن الظلم أو الفساد ويتخيلها مقتبسة من واقع بلده، ويحضر المصري أو ابن المغرب العربي حلقة عن الرشوة أو العادات الاجتماعية البائسة فيظن أن ياسر العظمة ابن منطقته حتماً، وما يزيد أعماله إبداعاً أنها صالحة للمشاهدة في أي وقت وظرف، فلو  شاهدت حلقة من حلقات مرايا التي بدأ تصوير الجزء الأول منها عام 1981 ستشعر أنها أُنتجت للتو!

أتذكر كيف كانت العائلة بأكملها تتسمر أمام الشاشة في انتظار لوحات ياسر العظمة، فأعماله لم تكن تخاطب فئة عمرية أو جنس دون الآخر، ذلك أن كلامه كان خالٍ من الإيحاءات الجنسية، وبعيد كل البعد عن الشتائم والإهانات، والأدوار آمنة بلا عنف أو تحريض على تعاطي الممنوعات وارتكاب الرذائل والمحرمات، وقتها لم تكن الأعمال من أجل الإضحاك، إنما كانت بمثابة حصص ثقافة عامة وتاريخ وجغرافيا وتربية وطنية، وكانت من النوع الذي يترك المشاهد حائراً بين البسمة والدمعة، وذلك هو الغرض من الكوميديا والسخرية بالمجمل!

أتذكر ذلك بينما تحظى برامج رامز جلال الكوميدية بنسب مشاهدة هي الأعلى، وبينما لا تقوم هذه البرامج -وآخرها رامز موفي ستار-  على شيء سوى صنع التفاهة والإسفاف والصراخ والمقالب التي لا تعرف لها هدفاً غير الترويج للعنف والتلذذ بتعذيب الآخرين، بعد الاتفاق مع الضحايا على تمثيلها، وهذا ما أعلنه أكثر من مشارك فيها، لكنها للأسف تلقى رواجاً كبيراً، ولك أن تتخيل أن رامز جلال صار ثالث أغنى فنان مصري بسبب هذه البرامج الهابطة!

خلدت أعمال الفنان ياسر العظمة في الوعي الجمعي العربي لأنها كانت تتماهى مع ما قاله فرويد بإن الضحك والكوميديا يستندان بطبيعتهما الى الألم والمعاناة مما يجعل الكوميديا وسيلة للتنفيس وتنظيم فوضى الحياة المعاصرة، بينما ستظل أعمال رامز جلال وغيره عابرة مهما استمرت ولن تترك أثراً إلا في القلوب الفارغة، ذلك أنها أعمال تستند إلى الفراغ والعبثية لا أكثر ولا أقل، ولعل الحل الأنسب بالتعامل معها يكون على طريقة : "توقفوا عن جعل الحمقى مشاهير"، فثمة أعمال نبيلة وحقيقية هي أولى بالدعم والتأييد!