قصة سرير رقم 3!

ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة التي أشعر فيها كغيري من بني البشر معنى أن تكون معدماً وفقيراً في هذه الحياة، ولن تكون قصة الشاب الذي سأروي قصته في هذه المقالة القصة الوحيدة في الأردن وشرقنا المنكوب، فثمة ملايين غيره يقاسون أنواع الحرمان وغياب العدالة والرعاية الصحية والطبية.

سأدخل مباشرة في قصة الأردني فاروق (30 عاماً)، حيث شاءت الصدفة أن أتعرف عليه الأسبوع الماضي في مستشفى حكومي في العاصمة الأردنية عمّان، حين كنت في زيارة أحد الأصدقاء المقربين.

فاروق؛ عامل "باطون" بأجر يومي قدره (12 دينار) سقط عن ارتفاع طابقين، وأصيب بجروح وكسور في القدمين ومنطقة الحوض، وسيبقى في المشفى لأسبوعين على أقل، وهو ما سيترتب عليه مبلغ مالي كبير لا يقوى على سداده، وفق ما أعلمني.

فهو ككثير من الأردنيين لا يملك تأميناً صحياً، إلا أن همه الأكبر، كما يقول، هو كيفية تأمين مصاريف عائلته المكونة من أربعة أفراد، الذين ينتظرون يوميته بفارغ الصبر نهاية كل يوم، ليصطدم أيضاً بـ "كف يدي" صاحب العمل عن مساعدته وتأمينه بالأدوية التي سيحتاجها خلال فترة العلاج.

الشقاء اليومي لفاروق وغيره من عمال المياومة من فنيين وعمال صيانة وميكانيكيين ومراسلين وسائقين وغيرهم، يقابله حرمانهم من أغلب الحقوق الممنوحة لموظّفي القطاع العام من ضمان اجتماعي وتأمين صحي، وتمييز ضدهم في الرواتب والأحقية في المزايا، ما يعني ضمناً تعثرهم باستمرار.

نتائج بيانات السجل الوطني الموحد، تشير إلى أن عدد عمال المياومة في المملكة نحو 300 ألف عامل، منهم من يعمل بأجر يومي لحسابه الخاص أو بأجر لدى الغير، فيما تقدر الإحصاءات الرسمية أعداد العاملين في القطاع غير المنظم بـ 48% من مجموع العاملين، يفتقد معظمهم للحمايات القانونية الأساسية والاستقرار الوظيفي.

الثابت؛ أن هناك قصوراً كبيراً في منظومة الحماية الاجتماعية للعاملين في الأردن، حيث أن ما يقارب نصف القوى العاملة غير محمية بأي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية، بحسب تقارير رسمية.

ومعلوم أن سوق العمل غير منظم في الوطن العربي ككل، وفي الأردن على وجه التحديد، بمعنى أن عامل المياومة الذي يعمل في منشأة أو مؤسسة لا يتم شموله في الضمان الاجتماعي أو التأمين الصحي إلا إذا أراد هو ذلك، وهو ما لا يحصل في الغالب بسبب ارتفاع كلفة التأمين الاختياري.

وخلال العامين السابقين، أدى توقف العديد من الأعمال والشركات والمؤسسات الخاصة في المنطقة العربية، وتعطل عمل مئات الشركات والمصانع العاملة في القطاعات الإنتاجية المختلفة ومشاريع النساء الصغيرة التي تعرضت لضرر كبير هي الأخرى لأسباب تتعلق بأزمة جائحة كورونا، وظروف الحرب في اليمن وسوريا وليبيا، إلى خسارة نحو 60% من العمالة غير المنتظمة أعمالهم.

التمتع بحياة كريمة وبيئة عمل لائقة وخدمات اجتماعية ممكنة، يؤكد اليوم حاجتنا لمؤسسة ثابتة ودائمة وقوانين إضافية تجمع خدمات الحماية الاجتماعية تحت مظلة واحدة، مع أهمية استمرار الحوار بين العمال أنفسهم وأصحاب الأعمال والحكومة ومؤسسات المجتمع المدني من أجل صياغة سياسة لبيئة عمل تستجيب وتوفر حماية كافية لمختلف القوى العاملة.

تلك قصة فاروق، الذي كان ينام على سرير رقم (3)، والتي تتشابه مع غيرها من قصص يتعرض لها كثير من البشر الذين باتت أقصى أمنياتهم أن يحصلوا على علاج ورعاية.. والأهم، حياة كالحياة!