أحمد مطر.. الشاعر المتهم بعروبته!

"ما تهمتي؟ تهمتك العروبة! لذا ترانيّ ألقيت بنفسي مبكراً في دائرة النار، بعد أن تكشفت ليّ خفايا الصراع بين السلطة والشعب، ولم تطاوعني نفسي على الصمت أولاً، وعلى ارتداء ثياب العرس في المأتم ثانياً، فجذبت عنان جوادي ناحية ميدان الغضب".

كان ذلك رد الشاعر العراقي والعروبي، أحمد مطر، حينما سئل عن سبب دخوله المعترك السياسي ومناهضته للدكتاتورية القائمة على الظلم والقهر والاستبداد، متعمداً عبر دواوينه الشعرية التي زادت على ثلاثين ديواناً، مهاجمة وفضح الحكام والزعماء الذين زرعوا الرعب في قلوب شعوبهم.

ومطر المولود سنة 1954، في قرية "التنومة"، إحدى نواحي شط العرب في البصرة، كان صديقاً لرسام الكاريكاتير ناجي العلي، وعاشا الوجع والقهر العربي ذاته.

انتقل مطر إلى بغداد للدراسة والعيش في كنف أخيه الأكبر، ليعتلي خشبة المسرح لإلقاء الشعر في سن مبكرة، منتقداً من على المنابر الأنظمة والأوضاع السائدة علانية، مما اضطره للذهاب إلى الكويت.

بعد أن عمل في الكويت فترةً من الزمن، اضطر إلى الخروج منها لنفس الأسباب، واستقر به المقام في نهاية المطاف في لندن، حيث بقي فيها حتى اللحظة، لكن وطنه رافقه هناك وانعكس في شعره على الدوام.

اتخذ أحمد مطر من السخرية أداة له للنقد اللاذع والإضحاك وأحياناً النصح، ويمكن القول إن معظم أشعاره تنتمي إلى مدرسة البساطة والسهولة، أو مدرسة السهل الممتنع التي ينتمي إليها نزار قباني، لذا نجده ينتقي في قصائده الألفاظ السهلة التي لا يجتهد الإنسان البسيط في فهمها.

 كما أن نمطه الشعري ينتمي إلى شعر المواقف الواضحة، تلك المواقف التي لا يجد القارئ صعوبة في فهمها وتعرف ملامحها، وهو أمر يكاد يشترك فيه معظم الشعراء السياسيين من شعراء المقاومة الفلسطينية مثل محمود درويش.

تميز مطر بالجد والبراعة في اختيار مواضيعه وعرضها بصورة متفردة، معتمداً في ذلك على حصيلته اللغوية، فترى أن شعره ذو غرض واحد وليس متعدد الأغراض، فكان يتناول كل مرة موضوعاً واحداً محدداً في كل قصيدة من قصائده.

لم يكن الغرض من سخرية أحمد مطر الضحك والهزل، إنما كانت هادفة، وتحمل قضية إنسانية عامة بأبعادها المختلفة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها الشعب العربي بمختلف طبقاته، وهو يعرض هذه القضايا بأسلوبٍ ساخرٍ يختلف عن أساليب الشعراء الساخرين الذين عرفناهم في العصور الأدبية الماضية.

ولمطر العديد من الأعمال، أهمها: أحاديث الأبواب؛ والرقباء؛ وورثة إبليس؛ دمعة على جثمان الحرية؛ والسلطان الرجيم؛ وكلب الوالي؛ ولافتات، التي ضمت أبرز قصائده وتناولها الناس بشكل واسع، ولعل أهم تلك القصائد "أيقظوني"، والتي تقول:

أيقظوني عندما يمتلك الشعب زمامه

عندما ينبسط العدل بلا حدً أمامه،

عندما ينطق بالحق ولا يخشى الملامة،

عندما لا يستحي منْ لبس ثوب الاستقامة،

ويرى كل كنوز الأرض،

لا تعدل في الميزان مثقال كرامة،

سوف تستيقظ.. لكن،

ما الذي يدعوك للنوم إلى يوم القيامة؟

 

يلخص مطر حياته بالقول: "قبل ثلاثين عاماً، غادر البيت فتى طري العود، مغضوب على صوته الذي انطلق من فوق منصة تشتت المحيطون بها بين سجن وغربة وموت. فتى كان يحلم بعراق لا تمتهن كرامته، ولا تسرق حريته، ولا يكتم صوته، ولا يقتفي ظل قصيدته. فتى حمل الوطن معه وغادر، على أمل عودة وشيكة إلى بيت أجمل وإلى أم أهلكها الانتظار، وإلى أب بسيط صابر، وإلى إخوة أحرار كالميلاد".

يكمل: "لم يدر ذلك الفتى الغض أن ظهره سيظل عارياً طيلة حياته، وأن للطغيان عمر الغربة ونوايا الشياطين، وأنه سيسرق شقيقه الأصغر بحادث مفتعل، وسيعلق شقيقه الآخر على واحدة من مشانق ألعابه، لم يكن ذلك الفتى يعلم أن السنين الأجمل ستمضي من دون أن يغنم الحلم، وأن عين الأم ستبقى معلقة على الباب".

في زمان ملئ بالشعارات الجوفاء، لم يهتف أحمد مطر للسلطان، وعبر بقلمه عن خواطر وآلام وطنه العربي الكبير، فدخل قلوب الناس رغم الحواجز والقيود، وظل كما هو، الحر الذي ينشد الحرية لفلسطين والعراق وسوريا واليمن.. وكل عربنا!