"مرارة!"

قبل أيام؛ استقيظت على ألم قوي جداً في منطقة الظهر بالكامل، مع ضغط شديد على العمود الفقري، وآلام فظيعة في أسفل البطن والخاصرتين، حتى أنني قمت أمشي واضعاً يدي على بطني والأخرى خلف ظهري، ما ذكرني بألم سيدة جاءها المخاض مع مشيتها تماماً !

"هذا ألم المرارة وعلينا أن نستأصها بمجرد أن نعالج الالتهاب".. هكذا قال لي الطبيب بعد إجراء الفحوصات والصور اللازمة، قبل أن يسألني: من منذ متى شعرت بالوجع للمرة الأولى؟

أنا: لا أتذكر! ربما عند سقوط بغداد، أو حين بدأ الحصار والحرب على غزة، أو ربما حين صارت خارطة سوريا عبارة عن بقعة دم، أو حين قدم آلاف الشباب العرب أرواحهم في ثورات الربيع العربي لعل أوطانهم تُشفى، لكن مرضها استفحل، وفي حين كنا نبكي فرحاً سقوط بعض الزعماء، صرنا نبكي حزناً على أيامهم!

الطبيب: ولِماذا صبرت حتى استفحل أمر المرارة؟

أنا: لأن أحد الأطباء شخص حالتي بالقولون العصبي، ولم أعرف عن مرارتي إلا منك، نحن نشبه أوطاننا يا دكتور، تكون المشكلة سياسية فيشخصونها على أنها اقتصادية، واقتصادية فيصرون على أنها اجتماعية، يكون الألم ظاهراً للعلن فُنصر على غض الطرف عنه حتى نصل لمرحلة "آخر العلاج الكي"، وأحياناً بكل آسف حتى الكي لا ينفع!

الطبيب: ما ألاحظه أن مشاكل المرارة زادت في الآونة الأخيرة وهذا غريب!

أنا: فعلاً غريب أن يصاب العربي بالمرارة، خاصة وأن لبنان أعلن إفلاسه، والعراق يبكي حال ناسه، واليمن السعيد صار الحزن رأس ماله وأساسه!

غريب أن يصاب العربي بالمرارة وقضيته المركزية "فلسطين" صار من الصعب الحديث عنها، فالمجد للتطبيع واقعياً، والحظر لمن ينتقد وحشية الكيان الغاصب افتراضياً، "تكميم الأفواه" يطاردنا حتى في العالم الافتراضي!

غريب أن يصاب العربي بالمرارة، والبطالة سيدة هذا الزمان، والفقر في كل مكان، واليوم بلا ضمان، والغد بلا عنوان، بينما صارت أقصى أمانيه أن يحافظ على نفسه سليماً ولا يتشوه فيه "الإنسان"!

صدقني يا دكتور أن الغرابة كلها بأن ترى عربياً واحداً متصالح مع مرارته ولا ألم أو خصام بينهما!