ماذا تبقى لنا؟

عندما يحاربون الفرد بذريعة الإنسان في خدمة الدين، وليس العكس أن الدين في خدمة الإنسان، فهم بكل رحابة صدر يجردوننا من فكرنا وعقلنا وإنسانيتنا. فكيف نبرر تعصبهم وجاهليتهم واستباحتهم لدماء الأبرياء والمدنيين والمفكرين؟

وأقصد هنا، أشخاصاً يحملون رايات التضليل، ويتسلحون بعادات وتقاليد بالية، ويحاربون عامة الناس والباحثين والمفكرين والكتاب بألسنتهم وأفكارهم وتعصبهم.

والنبيه الذي يمد عنقه خارج الطريق المعتاد، ساعياً لإحداث تطور المجتمع والفرد والدولة، يقابلونه بالإقصاء والتكفير والردة! الفكرة النبيلة يقابلوها بالرفض.

باختلاف النباهة الفكرية بين الأفراد، فنحن أمام فكر إجرامي خطير يطبقونه بكافة الوسائل والإمكانيات المتاحة، الجامعات والمناهج الدراسية والكتب والندوات والنقاشات، نماذج يتخلل- بعضها- الحقد والكراهية والإقصاء والتنكيل!

ماذا تبقى لنا؟ سؤال مشروع يعبر اليوم عن حاجتنا لفهم الأفكار بعمق متوازن، ورؤية واضحة، بعيداً عن تجليات "مفسدو الأرض" بنشرهم سموم الفتنة والتطرف بين صفوفنا، الصفوف التي إذ لم تكن حاضرة الذهن في موقف من المواقف، لن يكون باستطاعتها الوصول إلى بر الأمان، والتطلع بما يخدم الإنسان والإنسانية.

كم من المفكرين قتلوا في سبيل وصول أفكارهم ومواقفهم إلى العالم؟ التاريخ يشهد للكثير من الشعراء والمفكرين قتلوا بذنب أفكارهم وحريتهم، الشاعر الاسباني "لوركا" نموذج إنسان كلفته حريته أن يعدم حياً بالرصاص!

وذلك المفكر المصري فرج فودة، الذي خسر حياته بعد مناظرة شهيرة بعنوان: "مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية"، جمعته مع المفكر محمد عمارة والشيخ محمد الغزالي ومرشد الإخوان في وقتها مأمون الهضيبي.

القاتلان اللذان غدرا بفودة، بالتحقيق مع أحدهما أعلن أنه قتل فرج بسبب فتوى دينية بقتل المرتد، وحينما سأله المحقق "لماذا قتلت فرج فودة؟" أجاب: لأنه ينشر كتباً تدعو إلى الكفر والإلحاد، تابع المحقق: هل قرأت هذه الكتب؟، فأجاب القاتل: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب، وبسؤال القاتل عن اختيار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب "لنحرق قلب أهله عليه أكثر".

ثمة فرق كبير بين من أراد الإصلاح والتنوير واكتشاف عجلة الإصلاح، وبين الذي يرفض الآخر ويجعل من نفسه نبياً في الأرض، فالأول يقدم ذراعيه في خدمة الإسلام والإنسانية؛ والآخر يقف عائقاً أمام التطور والتحديث والقفز عن عصبية الجاهلية!

مشكلة الفهم وإطلاق الأحكام والأوصاف في العالم العربي، والاهتمام بما ورثته الأمة من تعاليم وتقاليد "أكل عليها الدهر وشرب" يعطلنا في هذا الوقت من مواصلة الدرب الذي نحلم ونتوق الوصول إليه.

تبقى لنا معرفة أنفسنا في غياهب هذا الكون الجميل، تبقى لنا قبول الآخر والتعايش معاً في محبة وألفة، تبقى لنا فهم ما يراد بنا، الاختلاف لا يقضي بقتل الأبرياء والعزل وأصحاب الفكر الذين يحلمون بنجاة الفرد والمجتمع وتطورهما.

هي مجرد صرخة في ليل طويل، أتمنى أن تصل مسامعها أصحاب المواقف الذين يطمحون بما أراني أطمح إليه.