إبراهيم جابر إبراهيم: " تورطنا بفكرة أنك إن لم تستطع أن تموت من أجل بلادك فعليك على الأقل أن تعيش من أجلها!"

حين وافق على إجراء هذه المقابلة، سعيت جاهداً لوضع أسئلة ألتزم فيها الحيادية والمهنية، بحيث لا يغلب حبي له على ما سواه، إنه الحب الذي بدأ أيام المراهقة، حين كنت أسطو على نصوصه العاطفية ككل أبناء جيلي، وأضعها طُعماً مضمون النتائج وسريع الأثر في طريق الجميلات، وكم كنت أشعر بالذنب حيال ذلك، لكن هذا الذنب تلاشى حين قرأت له فتوى مفادها أنه إذا كان الغرض من العلاقة شريفاً فلا حرج من استخدام نصوصه!

لم يكن حبنا لإبراهيم جابر إبراهيم بسبب ما يكتبه عن الحب بين اثنين فقط؛ إنما كان السبب الأكبر هو ذلك الحب الذي تنامى في قلوبنا لفلسطين متأثرين بما يكتبه عنها، كأنه هو ظلها، وكل أهلها، كأنه "المسحراتي" الذي يجوب الشوارع في كل أيام السنة ليوقظنا ويذكرنا بها!

الكاتب الصحفي، أو الشاعر، أو الروائي، أو إبراهيم جابر إبراهيم باسمه المجرد الذي يعتبره الأقرب له من بين كل الألقاب، كان ضيف موقع هنا صوتك من خلال حوار هذا نصه:

 

-         عدا عن كونك "طفل الله المدلل"، و"طفل أمك الأخير" كما قلت عن نفسك، أريد أن أسألك عن إبراهيم جابر إبراهيم، بعيداً عن الأضواء والكتابة، من أنت؟

 

ليس مبالغة؛ أن كل من اتجه للكتابة من أبناء جيلي فعل ذلك، في محاولة مستمرة ودؤوبة للإجابة على هذا السؤال. فأنا من جيل لم يجد وقتاً كافياً ليعرف نفسه، ولدنا في مناخ من الخراب، كان صالحاً جداً ليورثنا كلَّ هذا الفصام وكلَّ هذه الأمراض.

وكأي واحدٍ ولد في الشرق؛ كبرت وأنا أحمل جوّاي الأشياء وضدها، الأفكار ونواقضها. لم يكن لدينا من الأدوات ما يكفي لمحاكمة الأشياء، فعشنا عمرنا نهباً للفكرة والفكرة المضادة. لم نؤمن بما يكفي ولم نكفر بما يكفي. نحن جيل التحولات الضخمة والمريعة،

الجيل الذي فقد فلسطينه أكثر من مرة، الجيل الذي ضاعت منه العراق كما تُضيّع أرملة فقيرة سوارها الذهبي الأخير، وفي نظري أن سقوط بغداد كان أخطر سياسياً وقومياً من سقوط القدس، مثلما كان تفكك الاتحاد السوفييتي هزيمة مباشرة للشعوب التي ربطت مصائرها بصراع القطبين. أنا من هذا الجيل الذي كلما مشى خطوتين انغلقت الأرض على قدميه مثل فخّ، ولا أحد من جيلي يستطيع أن يزعم أنه نجا من كل هذه التحولات سالماً! نحن جيل التشوهات المفزعة.

على الصعيد الشخصي؛ عشت طفولة صعبة، وكأننا، أقصد أطفال ذلك الجيل، كنّا نولد "مُسنّين!" أو نتكفّل بتربية أنفسنا، حين كان الأب مشغولاً بتأمين رزق اليوم، كانت الأم مشغولة أيضاً بإدارة هذا "الرزق القليل"، وإعادة تدوير ملابس الكبار للصغار على ماكينة خياطة رخيصة، فلم يكن هناك وقت للعيش ولفكرة العائلة، كان على كل واحدٍ منا أن يشقّ طريقه في هذا الجبل!

لكنّني دائماً ممتنٌ لما حصلت عليه: أحمد الله، وأحمد الحياة.

 

 

-         دعنا نبدأ من مخيم عقبة جبر، حيث ولدت، ومن مدارس وكالة الغوث في الأردن حيث درست، أقصد مصادر الوعي الأولى، ومصادر الخيبات الأولى، ما الذي يستوقفك حين تسترجع تلك التفاصيل؟

 

ولدت في فلسطين، وكان هذا كافياً ليورثني كل هذا الغرور! لكنني لم أكد ألتقط أنفاسي حتى خرجت منها مدحوراً بعمر تسعة شهور وخمسة أيام بالضبط، خرجنا كعائلة مشياً على الأقدام، من أريحا إلى الأردن، كما تشاهد في الأفلام الوثائقية التي تسجل خروجنا! ربما تكون قد شاهدتني في إحدى المرات! وكانت الطائرات تمطرنا بالقذائف فنختبىء قليلا ثم نعاود المشي، حتى وصلنا إلى "عيرا ويرقا" في محافظة البلقاء الأردنية، فنمنا ليلة، ثم واصلنا المشي الى عمّان، المشي الذي لم ينقطع حتى الآن بعد حوالي 55 عاماً!

عندما صرت في الخمسين؛ ذهبت الى فلسطين في "زيارة" قصيرة بدعوة من "متحف محمود درويش" ورأيت آثار بيتنا الممحيّة فسجدت مكانه، صليت صلاة الفتى الذي اهتدى إلى حليب أمه، يومها أخذت بيدي حفنة من تراب "عقبة جبر" وأكلتها بلا تردد، لا أصدّق حتى الآن أنني رأيت تلك البلاد، لا أصدقها نفسها.

لكنني يا للروعة: لقد شاهدت الفلسطينيين بعيني!

هؤلاء الذين نراهم على التلفاز! لقد شاهدتهم، صدقني! وهكذا أديت فروضي في هذه الحياة.

أما بالحديث عن مدارس الوكالة و"مخيم الوحدات" الذي عشت فيه أزيد من أربعين سنة، فذلك فعلاً أول الوعي، وأول الحبّ، وأول الأخطاء، والخيبات، وأول موت يدق بابنا.

ومن هنا؛ من هذا المنعطف الحاد، تشكل الوعي بشكل غريزي، وعي الظرف والضرورة وردّات الفعل، ثم اخترته نفسه، ذات الوعي، بحوافّه الحادة، بعد سنوات النضج وبانتباه كامل.

المخيم كان المختبر الفذّ لآلامنا وأحلامنا العريضة، ولا يمكن لأي قوة مهما كانت قاهرة أن تجعلك تنسى يوماً واحداً من تلك الحياة التي صنعتك!

وهذا ليس خَياراً؛ فأنا كما قلت في أكثر من مرّة، مصنوعٌ من فكرة المخيم، ذلك الجحيم العالي الشأن الذي أدينُ له بكلّ أمراضي وتشوّهاتي ومواهبي، لا شيء في حياتي أبلغ منه.
المخيم؛ كل تلك التفاصيل التي لا يُمكن عدُّها، في المخيم؛ نحن فعلاً سقينا الفولاذ، وصنعنا منه شتلات خضراء وكنزات من الصوف وبطاقات بريدية. هناك يجري اختبارك كلّ يوم داخل مصنع للصبر والأمراض والإيمان. وهناك تمكث فلسطين في الزاوية مثل إله يراقب ويُعلّم ويعاقب. لم يخرج أحدٌ من المخيّم سالماً: فإمّا أن تصاب بالنقصان أو بالموهبة !

 

-         بعد سبعة كتب توزعت بين الشعر والقصة والمسرح، جاءت روايتك الأولى "عيد ميلاد أسمهان"، هل تأخرت في دخول عالم الرواية، أم أنك تؤمن بأن الرواية عمل يتأتى بعد تراكم الخبرات؟

 

لم أخطط لذلك؛ ولم أخطط لأي واحد من كتبي، فقط كنت أكتب. دون انتباه لقارىء أو ناقد. الكتابة كانت "هوايتي الوحيدة"، لأنها لم تكن تكلّف أهلي الفقراء قرشاً واحداً!

ولا أحفل كثيراً بالأجناس الأدبية، وكتبي غير نقية العِرق من ناحية "التجنيس"، فالشعر ليس شعراً خالصاً والنثر كذلك.

وكتابة الرواية جاءت برغبة مني لأن اكتب عملاً فنيا خالصاً خارج فكرة فلسطين وخارج سياقي الحياتي، عملاً لا يشبهني، أن أخرج في نزهة خارج شخصي الذي مللت منه! رغبة بالتجديد. أما عن التراتبية في الأجناس الأدبية؛ فهذا ليس شرطاً. وكما كان يقول صديقي العبقري الراحل خليل قنديل: "الرواية ليست رتبة عسكرية تستحقها كترقية بعد سنوات من الخدمة في الشعر". فقد يحدث العكس، أن تبدأ روائياً ثم تنتهي شاعراً.

 

 

-         تحضر فلسطين دائماً في شعرك وفي نثرك، في نومك وفي يقظتك، حتى حين تكتب عن الحب بين اثنين، تكون فلسطين ثالثهما، قرأت لك: " من بعيد نرى بلادنا كل ليلة، حين تطفئ أعمدة كهربائها وتنام، وتمر الطيور عنا، ويمر الغبار "إلى متى سنظل نراها من بعيد؟

 

لقد تورطنا ببلادنا يا صاحبي. تورطنا بفكرة أنك إن لم تستطع أن تموت من أجل بلادك فعليك على الأقل أن تعيش من أجلها!

سواء أحببنا ذلك واخترناه "حباً وطواعية" كما تقول الأغنية، أو ورثناه كـ "عادة سيئة".

 مرض شديد العدوى هي فلسطين، حاضرة في كل تفاصيلك؛ في صوابك وفي أخطائك، وفي مسرّاتك وبكائك، وحتى في أسماء بناتك.

على الصعيد الشخصي؛ أنا لم أعد أتوقع خبراً جيداً بخصوص فلسطين، درَّبتُ نفسي على الخسارة، وأنني لن أعيش زمن التحولات التي انتظرناها عمراً كاملاً. لكنني أؤمن جداً بالناس، الناس الذين سينهضون يوماً ما، ويعيدون ترتيب الأمور، وترتيب الدول، الناس الذين حتى الله حين أراد أن ينسب نفسه لأحد انتسب إليهم فقال تعالى: "رب النَاس. مَلِكِ النَّاسِ. إِلهِ الناس".

 

 

-         بين إبراهيم جابر إبراهيم، الكاتب الصحفي، والشاعر، والروائي، أي هذه الألقاب أقرب إليك؟

اسمي فقط! ربما كنا في البدايات نشقى لنضيف إلى أسمائنا لقباً ما، لكنه في هذه المرحلة من العمر تصير لصيقاً باسمك، وتحاذر أن يقع منك، تخاف عليه خوف من يحمل الماء في سلة قش!

 

-         ليس من باب المجاملة، القول إنك من أجمل الكتّاب الذي تناولوا مواضيع الحب في نصوصهم، الحب الذي صرنا بأمس الحاجة إليه في زمن مليء بالكراهية، ما الذي قتل الحب فينا يا إبراهيم، وكيف نبعثه من جديد؟

 

الحب لا يخضع للمنطق أو العقل يا صاحبي. الحب مثل الدين، كلاهما إن أخضعتهما للعقل ضيَّعتهما!

لم يُخطط أحد لقتل الحب، ذهب الحب إلى جنازته وحده، هذا السيد المتعالي سار بخطى واثقة وقلب فتيّ إلى نهايته، لم يقبل أن تحمله الأكتاف المهزوزة التي لم تقو على حمله حياً، جثة الحب ثقيلة، وتحتاج لعشرين فرساً عفيّة لتجرّها، للحب جسد ويمرض،
مثل أي شجرة أو غزال أو نبي، أو طائر ارتطم بزجاج طائرة ..سيموت.

 

-         قرأت لك: "يوماً ما سينتهي مهرجان (الأنا) المنتشية بذاتها، وينصرف القراء إلى نجمٍ شابٍ جديد، وعليك أن تلمّ أوراقك وأرقام الهواتف والإيميلات والهدايا الصغيرة والهمسات الساخنة الكثيرة.."، لكنك بهذا العمر ما زلت تحافظ على حضورك، ولا أظنك لملمت أوراقك، لا أظن أن الهدايا الصغيرة انقطعت، كيف يحافظ الكاتب على حضوره ونجمه مهما تعاقبت السنون؟

 

ليس الكاتب؛ الكتابة هي المطالبة بتجديد نفسها. ثمة كتّاب شباب في العشرينات يكتبون بلغة وبروح كاتب ثمانيني، وثمة عجائز يكتبون بلغة "نشيطة" وساحرة.  فاللغة والفكرة متجددتان، وما كان يؤرق القراء قبل شهر، لا يؤرقهم اليوم.

زمان لم تكن الكتابة تموت، حتى الآن؛ نحن نقرأ لشعراء عاشوا قبل ألف سنة، لكن إيقاع الزمن ولهاثه الآن يدفعنا لعدم الاسترخاء، ولإجراء تمارين صباحية للغة كل يوم؛ عليك أن تحافظ على لياقة لغتك، وأن لا تستعين بقاموس الأجداد! ورغم ذلك؛ فإن عمر الجيل الآن قصير جداً، أقصر من عمر "الآيفون" الذي يلد نفسه في كل سنة!

 

 

-         من تهجير عن وطنك الأم فلسطين، إلى غربة عن وطنك الثاني الأردن، فأنت الآن في الإمارات، متى من طول شُتاتك تستريح؟

 

على اللاجىء يا صديقي أن ينظر خلفه في كل يوم!

لن تستريح من هذا اللهاث في روحك، حتى لو ابتعدت مسافة قارّة كاملة، تظلّ تتلفَّتُ خلفك إلى الوطن اللعين، لكن ما يؤلم هو فقدان الأمل، وهو ما أعيشه الآن، فبلادنا تبتعد وأحلامنا تصغر، حتى أننا صرنا نحلم بالماضي القريب، ونقول: لو أنه يعود الآن! صرنا نشتهي أيامنا السيئة لأننا نعيش الأسوأ، جيلنا يتمنى لو يستعيد "الثمانينات" العظيمة!

لكنه فيما يبدو مررنا عن عمرنا دون أن ننتبه. مثل مسافر مرّ عن كل "الاستراحات" على الطريق الصحراوي، الطريق التي باتجاه واحد.

 

-         كنت من أوائل الصحفيين الذين أرسوا أعمدة الصحافة في الأردن، حين تنظر بعين إلى الوراء، وأخرى إلى الواقع، ما الاختلافات التي تراها؟

 

أتعجَّبُ من الاستسهال ومن الفوضى. في أيامنا؛ كنا نتعب ونشقى، ونُعلّم أنفسنا، ونؤنبها أحياناً، وندفع أثماناً غالية. الآن؛ صار كل شيء سهلاً ومتاحاً، لكن هذا ليس مقتصراً علينا.، هذا ما يحدث في كل العالم الآن! ثمة تغوّل على كل "الكلاسيكيات"، وتنصلٌ من "الهويات".

هناك مشكلة حقيقية في "استغفال" القارىء و"التمثيل" على الشارع، لكن الناس تكتشف الحقيقة دائماً ولو بعد سنوات ولا تتهاون مع من "كذب عليها".

أنا سعيد بأنني عشت الأيام الذهبية للصحافة، ومحظوظ بأن لدي ذكريات وأصدقاء من ذلك الزمان، ولديَّ أيضاً أصدقاء شباب جادّون كذلك من جيلك.

 

-         ثمة قرية في قضاء الرملة اسمها "النعاني" إليها يعود إبراهيم جابر إبراهيم بكل ما فيه، أريدها أن تكون محطتنا الأخيرة، أريد أن نعود إليها كما يعود الحب إلى أصله دائماً، ماذا تقول عنها ولها؟

حتى سنوات قليلة مضت، كنتُ واثقاً أنني سأطرق يوماً ما باب واحدة من الجارات هناك، وأطلب كأس ماء لأشرب، وألمّع اسمي القديم، ولكنني الآن أرى فلسطين بعيدة كما لم تكن في يوم من الأيام، بعيدة جداً وتتحول إلى "فكرة أخلاقية" أكثر منها وطناً، فالقلّة القليلة الباقية التي تدافع عن حقك بالعودة تتبناه كجزء من منظومة مبادئ، وكمسطرة أخلاق نقيضة للخيانة والتفريط والاستسلام ووو.. لكن؛ لا أحد الآن يتعامل معها كبلد وكأرض وكمشروع تحرير، والمروّع في الأمر، أننا لم نفقد فلسطين وحدها، فعواصمنا كلها فقدت وزنها التاريخي، ولم تعد تقدم لأبنائها تلك الحصانة وتلك الأمومة، أو تلك الرهبة التي كانت تصيبنا حين نسمع: "دمشق" "بغداد" "القاهرة".. أنا أشعر بالأسى وبمرارة في الحلق حين أقول ذلك، لأنني من الذين مرضوا طويلاً بوهم القومية والعروبة، لكن كل شيء تبدَّد.. كل شيء.