على قلق.. كيف يهدد تغير المناخ مستقبل بلادنا؟

إذا كانت اللحظة الراهنة، لحظة الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها الكارثية على الاقتصاد العالمي، والتبادلات التجارية وأسعار الوقود والمواد الخام والسلع الأساسية، تعرض الأمن الغذائي في المنطقة العربية لأخطار كبرى، فإن جوهر أزمة الغذاء في بلادنا اليوم، يرجع للتغير البيئي والمناخي والتحولات التي يحدثها من ارتفاع درجات الحرارة والفقر المائي والجفاف والتصحر.

قبل أيام؛ صرحت رئيسة برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن "البشرية تعرض الطبيعة لضغوطات كبيرة وذات تبعات مدمرة"، محذرةً من أن الفشل في العناية بكوكبنا يعني فشلنا في العناية بأنفسنا. وأوضحت أنه لم يسبق وانتقل هذا العدد من مسببات الأمراض من الحيوان إلى الإنسان، حيث وصلت نسبة الأمراض المنقولة من الحياة البرية إلى 75% من مجمل الأمراض المعدية المستجدة.

وفقا للتقديرات العلمية، يرجح أن يتواصل ارتفاع درجات الحرارة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ليهدد القابلية للحياة في مجتمعات تتسم بمعدلات زيادة سكانية عالية.

ويتواكب مع ارتفاع درجات الحرارة (4 درجات مئوية إضافية بحلول 2050) تنامي ظواهر مدمرة مثل الجفاف والفقر المائي والأعاصير الترابية والتصحر وتآكل الأقاليم الساحلية واحتمالية الفيضانات البحرية والنهرية.

 على المدى الزمني القصير والمتوسط، ترتب هذه الظواهر مجتمعة تراجع الإنتاجية الزراعية في بلاد العرب على نحو يزيد من اعتمادها على استيراد السلع الغذائية وتبعية إمداداتها من القمح والأرز والسكر وغيرها لتقلبات السوق العالمية.

غير أن لارتفاع درجات الحرارة والجفاف والفقر المائي والتصحر، نتائج لا تقل خطراً على المدى الزمني الطويل، فالنشاط الزراعي والصناعي والاقتصادي في بلادنا يتركز في المناطق الساحلية التي يتوقع، حسب تقديرات المنظمات الأممية، أن يبلغ عدد سكانها 100 مليون في 2030.

اليوم؛ تبدو منطقتنا الأكثر عرضة للفيضانات والأعاصير والدمار الذي يسببه ارتفاع منسوب المياه في البحار إلى الحد الذي قد تفقد معه على سبيل المثال مصر 13.2% من أراضيها الزراعية (دلتا النيل) حال ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط بمتر واحد فقط وقد تخسر معه تونس نسبة مقاربة من أراضيها الزراعية وسيضاف بالتبعية إلى القطاعات السكانية الفقيرة والمهمشة في البلدين مجموعات جديدة.

 وفي المناطق الساحلية في الكويت والإمارات وإيران والعراق واليمن، يرجح تواكب ارتفاع منسوب مياه البحار مع حدوث الأعاصير والفيضانات التي تتصاعد حدتها وتعرض حياة الملايين للخطر.

 الأردن ليس بمنأى عن الأزمة

فقد الأردن أرواحاً قبل سنوات وما يزال كثير من المواطنين يعانون تبعات الفيضانات والجفاف. يفاقم مثل هذه الآثار على المستوى الوطني تحديات أخرى كزيادة عدد السكان وتبعات اللجوء) والبطالة وتحديات أمن المياه والطاقة، رغم إنجازه، خطوات مهمة في التوسع باستخدام الطاقة النظيفة، لكنه ما يزال في أول الطريق وبحاجة إلى تعاون عربي ودولي للاستمرار وللتكيف مع آثار تغير المناخ الاقتصادية والاجتماعية.

وفي تأثير التغير المناخي على المملكة، الذي لا يتوقف على البيئة والمجتمعات بل ينعكس أثره على النفس البشرية، قد يتعرض المواطنون مستقبلاً، بحسب تقديرات الخبراء، لمشكلات عديدة، كالقلق؛ والإجهاد؛ واضطرابات ما بعد الصدمة؛ وخسارة المنازل بسبب الثلوج أو عدم قدرة الأسر على تلبية احتياجات الدفء أو الغذاء في الشتاء؛ فضلاً عن التعرض لدرجات حرارة عالية أو احتراق الغابات التي تبعث غازات سامة؛ بالإضافة إلى انبعاثات المصانع والمركبات التي تؤثر على صحة الأفراد.

لا يشكل الأردن استثناءً؛ فالعالم أجمع يشهد الآثار الوخيمة لتغير المناخ، التي أصبحت مصدر تهديد للحياة، ومنها: انخفاض هطول الأمطار، والفيضانات، والجفاف. ويترافق مع تغيرات وتحديات مجتمعية مستمرة، كالنمو السكاني السريع والحضري، والتقلبات السياسية، والهجرة الناجمة عن الصراع، وهذا كله يعظّم من آثار تغير المناخ.

التأثيرات المتوقعة لتغير المناخ

وفقاً لتقرير صادر عن "اللجنة الدولية المعنية بتغير المناخ" التابعة للأمم المتحدة (IPCC)، فإن المجتمعات الأكثر ضعفاً، وذات الدخل المنخفض، هي الفئات الأكثر تضرراً من تغير المناخ، يقابل ذلك وجود ما يصل إلى 3.6 مليارات شخص يعيشون في مناطق معرضة بشدة لتغير المناخ، بسبب الحرارة الشديدة والأمطار الغزيرة والجفاف والطقس الذي يمهد للحرائق.

وأفاد التقرير إلى أن تغير المناخ يؤثر على الصحة البدنية للأفراد، كما يؤثر على صحتهم العقلية، إذ إن الأضرار الرئيسية على الصحة العقلية للأفراد هي من تأثيرات الطقس القاسية. كما حذر من خطورة تعرض 14% من الأنواع الحيوانية والنباتية الموجودة على الأرض لمخاطر الانقراض إذا ارتفعت الحرارة العالمية بمقدار 1.5 درجة مئوية، ومن المرجح أن يرتفع هذا الرقم ليصل إلى 29 % إذا ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمقدار 3 درجات مئوية، إضافة إلى تأثر قطاعات عديدة مثل الطاقة والنقل والزراعة والمياه.

يشار إلى أن أسباب التغيرات المناخية، تعود لانبعاث غازات الاحتباس الحراري (ارتفاع درجة حرارة غلاف الكرة الأرضية نتيجة انبعاث ثاني أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين وغيرهما)، في الهواء، وخصوصاً الوقود الأحفوري الذي يعد أكبر مصدر منفرد لغازات الاحتباس الحراري التي تنجم عن الإنسان.

كيف نستعد للمرحلة المقبلة؟

حياة العرب من أطفال ونساء ورجال تأثرت بالفعل جراء تقلبات المناخ وتغيره، ويقتضي ذلك تبني سياسة شاملة للتكيف مع المناخ، سواء على المستوى الإقليمي أو المحلي، مع ضرورة تفعيل القوانين وتطبيقها وزيادة الوعي بمخاطر التلوث البيئي، وأن تكون الرقابة مستمرة على كل الملوثات البيئية بشكل أكبر وأكثر حزماً.

مطلوب أيضاً، المحافظة على البيئة من خلال الاهتمام بالزراعة، وخاصة زراعة الأشجار، لزيادة نسبة الأوكسجين في الجو، وتقليل كميات النفايات البلاستيكية التي تخلفها البيوت يومياً، وكذلك الإدارة الصحيحة للمياه، ومحاولة الحد من استخدام الوقود الأحفوري في التدفئة، مثل الكاز والغاز والديزل، التي جميعها تسبب انبعاث كميات كبيرة من ثاني أوكسيد الكربون، والذهاب إلى خيار طاقة الرياح والطاقة الشمسية الذي يقلّل من الانبعاثات الكربونية.

ومن المهم الاستجابة والتصدي لأزمة المناخ من قبل جميع البلدان والمجتمع المدني والشركات والمواطنين العاديين، بما يسهم في تحفيز وتسريع وتيرة هذا العمل بشكل يضمن إيجاد مستقبل مستدام للمنطقة.