هل يخاف البطل؟

إذا سألت عامة الناس، دون غيرهم من أهل المعرفة والأدب والحكمة، من هو البطل بنظرك؟ فعلى الأغلب ستسمع جواباً واحداً: من لا يخاف ولا يبالي العواقب، ولا يرتدع عند الخطر!

كثيرون يتفقون على هذا الرأي، وهو صحيح، أما أنه لا يخاف فهنا موضع النظر والتأمل، فالشجاعة بتقديري ليست هي عدم الخوف، وإنما التغلب على الخوف، وليست هي نقيض العقل والحكمة، وإنما هي نقيض الجبن والضعف.

وقد تسمع جواباً آخر يصور لكَ البطل من يقوى على خصومه، وهو يجانب الصواب في ذلك إذا عدنا بالنظر إلى تاريخنا وأساطيرنا وحروبنا الجاهلية، لكن اليوم ومع كل هذا التطور الحياتي والعلمي والفكري، فإن البطل من يغلب نفسه ويقوى على مبادئه ويصون حاله.

فإذا وقف البطل بين فتنة الطمع والغواية، وفتنة الحرب والسطوة فخطر الأولى عليه أكبر من خطر الثانية وحاجته إلى البطولة التي يقمع بها قوة نفسه أعظم من حاجته إلى البطولة التي يصرع بها قوة خصمه، فليست الغلبة في كل حال هي شأن البطل، وإنما تتطلب منه الغلبة على النفس أحياناً، كما تطلب منه الغلبة على الخصوم.

ولعل كل إنسان فينا بطلٌ في صفة من صفاته، فالأم التي تسهر الليالي على تربية أطفالها وحمايتهم وتعليمهم تستحق أن يسجل لها أسمى درجات البطولة، وذاك الأب الذي يشقى ويعمل ويحتمل الحياة بحلوة ومرها من أجل مستقبل أولاده هو أيضاً يحمل هذه الصفة.

برأيي الأبطال درجات، وكما يوجد البطل الصغير والكبير يوجد كذلك البطل الوطني والبطل الذي يعيش بين الناس، وذاك الذي يحمى حدود وطنه، وهؤلاء يتباينون في خصال شتى، ولا تجمعهم كلهم إلا البطولة. فلا تصدق من يقول لكَ أن ميزة البطل فقط بالقتال والمبارزة أو غيرها من المزايا التي اعتدنا على سماعها.  

فالحق أن البطولة هي الفداء، وأن يكون الإنسان صابراً وذكياً ومضحياً لمن حوله، غير مبالٍ بالمخاوف والصعاب في كل مناحي الحياة، متمسكاً بالأمل والقوة على المجابهة والسير في حقول الألغام دون ضعف أو هوادة.

إن الذين يخافون على أوطانهم من الذل، ويرجون لها العزة، ويخافون من الظلام والجهل والبدع وانعدام العدالة، ويتمنون للناس النور والمعرفة، ومن ثم يثبتون عند المحن والمطامع، أولئك هم الأبطال وشرف بني الإنسان وعزاء الحياة ونور الأمل في مستقبل أكثر إشراقاً.

لا تنتظر أكثر؛ تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي، وأثبت لنفسك أنك تستحق أن تكون مختلفاً في هذا الكون الواسع، وحافظ على من تحب واعتني بهم، وتذكر أن هناك دوماً فرصه لتفعل الأفضل وأن تكون أكثر التصاقاً بالحكمة والتواضع والمحبة.. فتلك هي البطولة كما أفهمها!