تعا ولا تجي..

في حضرته فقط، لا ضير أن نكذب، طالما أن الكذب يترك لنا فسحة من الأمل بلقائهم، ويعيننا على تقبل مرارة الحياة إن لم نلتقِ بهم!

بهذا المعنى تقريباً، غنت فيروز واحدة من أكثر الأغاني التي اختزلت تناقضات الحب، بين لهفة انتظار عودة الأحبة، وبين الضحك على النفس باحتمالية عودتهم رغم اليقين الداخلي باستحالتها:

"تعا ولا تجي وكزوب عليي

الكزبة مش خطية

اوعدني إنه رح تجي

وتعا ولا تجي "

تلك الأغنية كتبها منصور الرحباني على لسان (كاتيا)، الفتاة التي أحبت عسكرياً غاب عنها في أزمة لبنان عام 1958، وكثرت الروايات عن سبب غيابه، مرة مات، ومرة بترت ساقه ولم يستطع العودة لبلدته، لكن الرواية الأكثر شيوعاً بأنه كان خائناً ومطلوباً للحكومة اللبنانية، فقبلت كاتيا قصة خيانته على أن تتقبل قصة موته، لأنها ببساطة أرادت أن يعود كيفما كان، أو ربما أنها كانت خائفة مما سيجري له إذا عاد ، أو لعلها كانت تعلم باستحالة عودته، ولذلك كتب منصور على لسانها "تعا ولا تجي وكزوب عليي..." فالمهم أن يبقى الأمل قائماً!

في حياة كل منا ثمة غائب ننتظر عودته، غائب لم نعد في غيابه كما كنا في حضوره، غائب نناديه بلا ملل:

عد خائناً، عد ناقصاً، عد بكل العيوب الموجودة فيك وفي سواك، أو عد كما تعود الحسرة قلوبنا كلما تذكرناك!

عد لأن حرف العين حُذف من العُمر لـ (ضرورة غيابك)، ولأن الضحكة صارت (ممنوعة من الصرف) لعِلة غيابك، ولأننا كلما حاولنا إظهار الفرح منع ظهوره (ثِقل) غيابك!

عد لأن صوت العصافير صار كئيباً في غيابك، ولأن هيئة الورد غدت مستفزة من بعدك، ولأن وجوه الناس صارت أكثر وحشة حين نبحث عن ملامحك في ملامحها!

عد ولو طيفاً، عد ولو كذباً، عد لأننا غير الانتظار لم نعد نسلك أي درب، ولأننا كتبنا على بابه من بعدك "لغايات ضخ الدم فقط هذا القلب!"