الانتحار ليس خلاصاً!

هم ليسوا ضحايا وباء فتاك ولا حرب ضروس، وإنما أشخاص أوصلتهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الصعبة للانتحار وخسارة حياتهم بطرق متعددة!

عناوين الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي في الأردن ومختلف الدول العربية، تكشف عن تنامي هذه الظاهرة بشكل كبير خاصة بين اليافعين، حتى أن ضحاياها باتوا يقدّرون بنحو 700 ألف شخص حول العالم كل عام، وشخص واحد يفقد حياته بسببها كل 40 ثانية.

الأرقام تقول إن حالات الانتحار في الأردن قد سجلت ارتفاعاً عام 2020، لتصل إلى حالة كل يومين، بنسبة هي الأعلى منذ 10 سنوات، إذ بلغت 169 حالة، مقارنة مع عام 2019، حيث حدثت 116 حالة، مع تسجيل 593 محاولة انتحار العام الماضي، وفقاً لمديرية الأمن العام.

عربياً؛ تحل مصر في المرتبة الأولى، متفوقة في ذلك على دول تشهد نزاعات مسلحة وحروباً أهلية، تليها السودان ثم اليمن فالجزائر. ففي عام 2019، انتحر في مصر 3022 شخصاً، بحسب منظمة الصحة العالمية. ولكَ أن تتخيل بأن هذه الظاهرة رابع سبب للوفاة بين اليافعين من الفئة العمرية بين 15 - 19 عاماً!

دوافع الخلاص من الحياة كثيرة ومتعددة في بلادنا، واليوم يمكن أن تكون أكثر وضوحاً، مع جائحة كورونا، والتداعيات الصحية والاقتصادية التي صاحبت انتشارها، فضلاً عن تصاعد مؤشرات البطالة، وارتفاع معدلات الفقر، والظروف السياسية التي أوصلت الشعوب لمتاهات غير معلومة، فأصبح من خلاله الانتحار أداة ووسيلة للتعبير عن واقعهم السيء.

ما تشهده الدول العربية من انسداد سياسي، وتأزم اقتصادي، يضاف إليهما عوامل أسرية ومشاكل نفسية تساعد على عملية الهروب تجاه الموت بعد غياب الأمل، وتوقع الفشل، وعدم وجود دلائل لتغيير المستقبل الذي ينشده المنتحرون، سواء كانوا شباباً أو فتيات أو حتى كباراً في السن.

تزايد هذه الظاهرة تشير إلى ارتفاع نسبة الاكتئاب، وبالتالي فإن انتشار وتوسع الاكتئاب يمكن أن يكون له تأثيرات متعددة على المجتمع، مثل ارتفاع حالات الطلاق، وتأخر سن الزواج، والهجرة غير الشرعية، والعزلة، والخوف الدائم من الفشل، وهو ما يتطلب الدعم الاجتماعي واللجوء إلى العلاج النفسي. ففي الأردن توفر جمعية الأطباء النفسية بالتعاون مع وزارة الصحة خدمات الارشاد والتوعية النفسية من خلال خاصية الاتصال الهاتفي على رقم (0795785095).

الأمر يحتاج إلى وقفة جادة من قبل كل الحكومات ومؤسساتها لإعادة النظر فيما طرأ على المجتمع من تغيرات تمكنت من الانحراف بالبعض عن ثقافتهم ومعتقداتهم، ومطلوب العمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية للشعوب العربية وتحقيق معايير العدالة الاجتماعية؛ تجنباً لاتساع الظاهرة، مع ضرورة تكثيف الجهود التربوية والدعوية الرامية لاستعادة القيم الدينية والاجتماعية التي من شأنها حماية الأفراد فكرياً وسلوكياً.