خلط للمفاهيم.. عن العلاج النفسي والتنمية البشرية

تبدو محاولات خلط المفاهيم والحقائق في أوجها اليوم، قياساً بما نراه ونتابعه لبعض الإعلانات والمشاهد التي تعج بها مواقع التواصل الاجتماعي، وأبطالها أشخاص يطلقون على أنفسهم مدربو تنمية بشرية، ويسعون لتمرير أفكارهم وكتبهم على اعتبارها المنقذ وطوق "الخلاص" من أمراضنا النفسية!

هؤلاء الأشخاص تراهم يبثون كلمات الأمل والسعادة والاطمئنان عبر فيديوهات قصيرة أو ندوات تحفيزية أو محاضرات، ويوهمون الناس بقدرتهم على إكسابهم مفاهيم الراحة والتخلص من المشكلات الحياتية خلال خمس دقائق.. أنعم وأكرم! 

هذا الإغراق والانتشار الكبير "لجهابذة" التنمية البشرية في الأردن والوطن العربي، ساعدت عليه قنوات التواصل الاجتماعي، وأوصل بعض الناس على اعتبار التنمية البشرية بديلاً عن العلاج النفسي، ما أحدث خلطاً كبيراً حول هذين المفهومين. 

ولعلنا نتفهم في أن التنمية البشرية مساندة للطبيب والمرشد والمعالج النفسي، وتقوم بدور التوعية والتثقيف في مواضيع الصحة النفسية وفي بعض حالات الاكتئاب، لكنها حتماً ليست بذات القوة التي يتخذها العلاج المبني على الدراسة والفهم العميق للنفس البشرية. 

وقبل تفكيك هذه الأزمة، وأقصد أزمة الخلط بين التنمية البشرية والطب النفسي، لا بد أن نعرف الفارق بينهما، فالتنمية البشرية هي عملية تركز على الإنسان وتسعى لتطوير مهاراته وقدراته ليصل بمجهوده الشخصي لمستوى معيشي جيد، وكذلك توسيع خياراته في الحياة. 

فيما يذهب علم النفس إلى أبعد من ذلك؛ ليقوم بدراسة العمليات العقلية والسلوكيات البشرية بكافة أنواعها، ومن خلال منهجية علمية، وينقسم إلى خمسة مجالات أساسية: علم النفس المعرفي؛ وعلم نفس النمو؛ وعلم النفس العصبي؛ وعلم النفس الاجتماعي؛ وعلم النفس السريري.

ولعل دافعي الأول في هذا الحديث اليوم، هو تبيان مدى انتشار الأمراض النفسية بين أغلب البشر، والتي باتت تشكل خطراً كبيراً وانعكاساً لظروف اقتصادية واجتماعية وإنسانية تغرق بها إنسانيتا.

في الدخول لواقع الصحة النفسية في الأردن؛ فإن وزارة الصحة تقدم خدمات الصحة النفسية بشكل مجاني، من خلال المركز الوطني للصحة النفسية ومركز الكرامة للتأهيل النفسي، والعديد من عيادات الصحة النفسية في كافة المحافظات، وهناك 64 عيادة خارجية للصحة النفسية، واحدة منها مخصصة للأطفال واليافعين.

فيما تقدر نسبة الإنفاق على الصحة النفسية بأقل من 3% من الإنفاق الحكومي على الصحة، فيما يذهب ما تبقى إلى المستشفيات، في ظل وجود ما نسبته 12 – 20 % من الأردنيين يعانون من الاضطرابات النفسية، أي ما يعادل مليوني و750 ألف مواطن تقريباً، يقرر 5% منهم فقط تلقي العلاج النفسي.

يشاغلني في هذا السياق؛ لماذا لا يلجأ الناس للعلاج النفسي؟ وهل يستطيع أي شخص فينا معرفة ما إن كان مصاباً بمرض نفسي دون مراجعة الطبيب؟ ولماذا يميل بعض الناس لمتابعة دروس التنمية البشرية أو قراءة كتب عنها، واتخاذها بديلاً عن العلاج؟

الثابت أن ثمة تخوف كبير من فكرة الذهاب إلى معالج أو طبيب نفسي، وهذا مرده إلى القناعات المعدة مسبقاً عن العلاج النفسي وتصويره بشكل خاطئ، أو شعور الناس بالخجل وتجنب مواجهة الآخرين وقناعتهم بنظرة المجتمع السلبية لمن يعاني من أي اضطراب نفسي، فضلاً عن ارتفاع كلف العلاج النفسي محلياً وعربياً، خصوصاً في القطاع الخاص.

في الأردن؛ تبلغ أسعار جلسات العلاج النفسي للزيارة الأولى والتي لا تتجاوز مدتها 45 دقيقة ما بين العشرين إلى الأربعين ديناراً بناءً على تحديد نقابة الأطباء، مع وجود هامش للزيادة بقيمة عشرة دنانير تقريباً، وفي لبنان على سبيل المثال؛ تبدأ أسعار الجلسات من 50 دولاراً وقد تمتد لتصل المئة، أما في مصر؛ فتبلغ تلك التكلفة 250 جنيهاً مصرياً أي سُدس دخل الفرد هناك.

الأعراض النفسية وفي محصلتها هي مرض عضوي كغيره من الأمراض التي يمكن أن يتخلص منها الإنسان بعد فترة من العلاج اللازم، لذلك يتطلب الأمر التوعية بأهمية معالجة القضايا النفسية بمعزل عن النظرة الاجتماعية الخاطئة، وعلى الناس زيارة الطبيب النفسي، وعدم الانجرار وراء الإعلانات والفيديوهات المصورة، التي لا تكون في حقيقتها سوى رسائل تحفيزية قد تساعد على تغيير أنماط التفكير لدى الناس، ولكنها غير قادرة على العلاج النفسي الحقيقي، ومطلوب أيضاً من وزارتي الصحة والتربية والتعليم، توعية الأجيال المقبلة بضرورة أهمية العلاج النفسي وتقبل المريض في المجتمع، وعدم نبذه، وتحسين الصورة المجتمعية من خلال المناهج الموجهة للطلاب، والحث على العلاج النفسي من خلال المرشدين النفسيين، وتغييب "ثقافة العيب" في هذا الجانب.