المعرفة والتجربة.. ونفاد الصبر!

نفاد الصبر ظاهرة اجتماعية طبيعية، وتتباين من شخص إلى آخر، لكن في مهنة الكتابة الأمر مختلف تماماً، فالوقت والصبر هما أساس العمل الإبداعي، ومن دونهما لن يقوى الكاتب أو الروائي وحتى الصحافي على الاستمرارية في تقديم محتوى جيد.

والكتابة هنا باختلاف الأعمال الأخرى، يلزمها الوقت في الحصول على التجربة الحياتية والنظرية، أي التجربة التي تتحقق من العيش بين الناس، والتجربة التي تتحصل من قراءة الكتب، ليكون الكاتب ذا نظرة ثقافية شمولية.

ما الذي أريد قوله؟ إن جميع الأجناس الكتابية تحتاج إلى المعرفة الشاملة والخبرة العملية بالحياة، وإلى تجارب وممارسات كثيرة، وإلى "دولاب محفوظات" كما يقول تشيخوف، نضع فيه كل معارفنا لوقت الحاجة والضرورة، ليس من خلال القراءة فقط، ولا على المعرفة المقصورة على حينا وبلدنا وبيئتنا، بل نحتاج إلى معرفة الأحياء والمدن الأخرى، ومعرفة الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والفلسفة وعلم الاجتماع، وقبل ذلك معرفة جيدة بالتراث.

هل أتفلسف؟ ربما؛ لكن إذا كنت تريد أن تكون كاتباً جيداً، برأيي؛ عليك التطواف في الشوارع الضيقة، والأحياء الشعبية وزيارة الضواحي، وأن تقضي وقتاً في المقاهي، وتعاشر الشباب والشيوخ والعمال وطلبة المدارس وتستمع لهم، في سبيل أن تتعلم مما يقصونه عليك أشياء جديدة.

وليت الكتّاب، جميع الكتّاب وأنا منهم، يغامرون في اكتشاف بيئات لم يعرفوها من قبل، مثل اكتشاف حياة أهالي الريف والقرى والتعرف على صفاتهم وظروف حياتهم عن قرب، ففي مثل هذه المغامرات على أساس المعايشة لا السياحة، قد تخرج من هذا الاكتشاف بتحفٍ وصورٍ أدبية وصحفية تستحق أن تكتب.

ماذا عن الصبر؟ أذكر أنني قرأت أثناء الجامعة عن تجربة الروائي العالمي إرنست همينغوي في الكتابة. همينغوي تحدث عن الوضع النفسي والجسدي الذي كان عليه عند كتابة قصصه، وكيف كان ينهض صباحاً ويشرع في كتابة قصة، وكيف كان يوفر أطيب أوقاته لهذه الكتابة، ويفرح إذا توفق فيها، ويحزن إذا عجز، ويظل قلقاً حتى ينتهي من كتابتها، ويحتفل بهذا الإنجاز.

احتفالية همينغوي ليست مجانية، القصة تساوي التعب الذي بذل من أجلها، القلق الذي سبق احتضان وإنضاج فكرة القصة، الوقت الكبير لإفراغها، ثم القراءة، والقراءة.

فإذا كان هذا كله لأجل قصة قصيرة، فكيف الحال مع الرواية، التي تتحدث عن عالم بكامله وترسم عوالماً من الأحداث والشخصيات؟ فهذه رواية "الحرب والسلم" لليو تولستوي، كانت قد استغرقت أثني عشر عاماً، حتى خرجت إلينا وتعرفنا عليها!

المسألة أولاً وأخيراً إذن ليست بغزارة ما يكتب الكاتب، بل بنوعيته، فبعض الكتّاب أبدعوا في رواية واحدة أو مجموعة واحدة من القصص، ونالوا الاعتراف الأدبي وحفاوة النقد.

الكتابة تستحق المعاناة والصبر، فإذا كانت مهمة الخبز حفظ الحياة، فإن مهمة تقديم الفكر هي الارتقاء بها وتغييرها نحو الأحسن والنضال في سبيل المستقبل، ولا يقوم بهذه المهمة إلا الذين نذروا أنفسهم للتضحية ونكران الذات، تاركين لسواهم أن يؤثروا العافية على التعب والسلامة على مواجهة الأخطار.

أيها الكتاب؛ اذهبوا عكس الاتجاه، وغادروا مقاعدكم الوثيرة إلى رحابة الحياة، حاملين "عدة الشغل".. القلم والدفتر!