"حنظلة" الذي نعرفه.. متى نرى وجهه؟

إنه الظاهرة الأكثر سخونة وإرباكاً في فن الكاريكاتير العربي على امتداد العقود الماضية، وهو أخطر من ألف عبوة ناسفة، وأكثر فعالية من ألف صاروخ يضرب الكيان المغتصب، فأصبح اغتياله مطلوباً مثل اغتيال غسان كنفاني وكمال ناصر.

هذا هو ناجي العلي، الذي كان يتحفنا في كل أعماله برسمة كاريكاتيرية فيها رقيب يتأمل واقعنا التعيس بطريقة تعجز الكتب والدواوين في التعبير عنه، مدخلاً الحقيقة في رسوماته إلى قلوب وعقول الملايين، موحياً إلى هذه الأمة برفض الخنوع لكي تنتفض وتطالب بحقوقها.

رغم ابتكار ناجي العلي لشخصيات عدة في لوحاته، لانتقاد الواقعين الفلسطيني والعربي، مثل "فاطمة العربية"، وشخصية "جندي الاحتلال طويل الأنف"، الذي يظهر مرتبكاً أمام حجر صغير في يد طفل فلسطيني، فإنها جميعها لم تنل شهرة "حنظلة".

"حنظلة" طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، ويظل في العاشرة من عمره مهما تعاقبت السنون، ولن يكبر حتى يعود لفلسطين، ورغم تجمد عمره فإن أفكاره وسبل اعتراضه كانت تتطور بتطور الأحداث السياسية، فقد ظهر لأول مرة في لوحات ناجي العلي عام 1969 بجريدة "السياسة الكويتية"، وأدار ظهره للعالم مكتفاً يديه خلف ظهره في أعقاب حرب 1973، رفضاً للسياسات الأميركية لتسوية القضية الفلسطينية.

وهو كما قال عنه ناجي" حين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون في العاشرة من عمره ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء".

فحنظلة هو طفل يقاوم بالحجارة مع الأطفال الفلسطينيين، وهو المعبر عن حبه للبنان ومصر في العديد من اللوحات، وهو الراكض بلهفة ماداً ذراعيه عندما يشاهد تلك القبضة الرافعة لعلم فلسطين، تماماً كما هو ذلك المحتج الرافض والمهاجم بريشته التي تشبه السيف.

وهو أبن الشعب المنتمي لطبقة المسحوقين والمحرومين والمظلومين والمشردين، الذي تعج بهم ساحتنا العربية، إنه الشخصية المنتمية لقضاياهم والموجهة لهم عن طريق الخلاص، وهو الفاعل والمؤثر والمحرض، والضمير الحي، المعبر عن تطلعات أبناء شعبه وآمالهم. 

في رأيي؛ خرج ناجي من دائرة الانتماء الوطني إلى دائرة الانتماء القومي، لذلك تراه تميز بالنقد اللاذع، والسخرية السوداء، عبر 40 ألف رسم كاريكاتيري، كانت تأخذ شكلاً تحريضياً حيناً، وثورياً حيناً آخر، كما يقول عن رسوماته.

لا يُعرف تاريخ ميلاده على وجه التحديد، ولكن يرجح أنه ولد عام 1937 في قرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة، وبعد احتلال الكيان الإسرائيلي لفلسطين هاجر مع أهله عام 1948 إلى جنوب لبنان، وعاش في مخيم عين الحلوة، ثم هُجّر من هناك وهو في العاشرة من عمره، لتعتقله القوات الإسرائيلية وهو صبي لنشاطاته المعادية لها، فقضى أغلب وقته داخل الزنزانة يرسم على جدرانها.

استمد العلي موضوعاته من معاناة الناس وهمومهم، ومن الحالة السياسية السائدة في المنطقة، وعكس فيها انتقاد الشعوب للحكومات، إلا أن نقده الشديد والمباشر وعدم مهادنته لأي نظام سياسي، كانا السبب وراء إطلاق النار عليه في لندن، فتلقى رصاصة في رقبته من الخلف في وضح النهار بينما كان يترجل من سيارته إلى مكتب صحيفة "القبس" حيث كان يعمل في ذلك الوقت.

إن تعميم إبداع ناجي العلي على جيل اليوم وعلى جيل الغد هو مهمتنا، فرسوم العلي راهنة، وربما راهنة أكثر من الماضي، وهذا دليل على أن الفن الحقيقي والصادق له قدرة على الحياة والتجدد.

غادرنا ناجي العلي وبقي حنظلة؛ يحفز كل العرب والمبدعين والفنانين لمواصلة النضال ضد الظلم والاحتلال، والأهم أن نعرف أنفسنا، كما عرف حنظلة نفسه، وثار على القمع والعنصرية والاستبداد؛ فحينما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته؛ سنرى وجه حنظلة الذي لم يخدعنا طوال عمرنا!