آفة المخدرات في العالم العربي.. كلنا نشارك في دفع ثمنها الفادح!

استفاق الأردنيون بالأمس، على خبر استشهاد النقيب في القوات المسلحة الأردنية، محمد ياسين الخضيرات، الذي ارتقى إثر اشتباكه رفقة زملائه مع مجموعة من المهربين على الحدود مع سوريا، الجارة الشمالية للأردن، ليعيد للأذهان خبر استشهاد الملازم أول، حازم شديفات، الذي ارتقى العام الماضي في المكان ذاته، وللسبب ذاته، وليذكرنا من جديد بعدد الضحايا الذين يخسرهم العالم العربي في كل يوم نتيجة آفة المخدرات، سواء بتعاطيها، أو بالعيش مع من يتعاطونها، أو بالمواجهة مع ممن يروجون لها ويتاجرون بها.

أرقام مخيفة

مما لا شك فيه أن إنتاج وتعاطي المخدرات، باتت مشكلة عالمية لا تخلو دولة من آثارها المباشرة أو غير المباشرة. وبحسب تقرير سابق لمنظمة الأمم المتحدة، فإن الإجراءات الدولية والمحلية لمكافحة انتشار المخدرات، والتوعية بأضرارها، وعلاج المدمنين تكلف حوالي 120 مليار دولار سنوياً، التقرير ذاته يؤكد أن الكميات التي يتم ضبطها مقارنة بما يتم تهريبه تشكل نسبة ضئيلة، وقياساً على ذلك يمكن القول إن نسبة من يتم ضبطهم بقضايا الإتجار بالمخدرات أو تعاطيها أقل بكثير ممن تُعمى عين الأجهزة المعنية بمكافحة المخدرات عنهم.

ويوماً بعد يوم، وسنة إثر سنة، ترتفع نسبة قضايا الإتجار وتعاطي المخدرات في عالمنا العربي، بينما ما زالت بعض الدول العربية تعتبر آفة المخدرات مجرد ظاهرة، يتضح ذلك من خلال حالة الإنكار، وشح الدراسات التي تتضمن نسباً حقيقية حول المخدرات تعاطياً وتجارة، بل إن بعض الدول العربية تحاول مواراة وإخفاء المعلومات حول نسب انتشار المخدرات فيها.

في الأردن مثلاً؛ أعلنت القوات المسلحة الأردنية أنها أحبطت العام الماضي 361 عملية تهريب لمواد مخدرة، من ضمنها 760 كلغ من مادة الحشيش، و 15 مليون حبة من الحبوب المخدرة بمختلف أنواعها، فيما ارتفعت قضايا الاتجار وتعاطي المخدرات (المضبوطة) في الأردن 3%، مقارنة بين العامين 2019 و2020، فقد بلغت 19500 قضية عام 2019، وارتفعت العام الماضي إلى 20055 قضية، وفق ملخص الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات 2020-2025.

أما في مصر؛ فبلغ معدل الإدمان وفقاً لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، نحو 10% من السكان، أي نحو 9 ملايين شخص. أما في لبنان؛ فقد أظهرت دراسة إحصائية أجرتها جمعية "سكون"، أن "المتعلمين" هم الأكثر استخداماً للمواد المخدرة، إذ وصلت نسبتهم إلى حوالي 49%، أما الفئة العمرية الأكثر تعاطياً للمخدرات فهي فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20 و30 عام، أما المفاجأة؛ فهي أن النساء كن في صدارة التعاطي، إذ بلغت نسبتهن 53% مقابل 47% للرجال.

وفي المملكة العربية السعودية؛ أظهرت التقديرات الرسمية لوزارة الداخلية، أن عدد المدمنين بلغ 200 ألف شخص، أي ما نسبته 0.7% من إجمالي عدد السكان البالغ 28 مليون نسمة. وفي عُمان؛ تجاوز عدد المدمنين 5100 شخص. في حين سجلت الجزائر تفاوتًا كبيراً في تحديد عدد المدمنين، حيث أشار الديوان الوطني لمكافحة المخدرات إلى وجود 300 ألف مدمن مستهلك للمخدرات، بينما أحصى المركز الوطني للدراسات والتحليل، 180 ألف مدمن و300 ألف مستهلك. بينما أشارت إحصائيات وزارة الداخلية العراقية إلى أن 50% من شباب العراق يتعاطون المخدرات.  وغابت الإحصاءات الرسمية عن انتشار المخدرات في سوريا.

وتشير التقديرات الرسمية في تونس، إلى أن عدد المدمنين بلغ نحو 311 ألف شخص، أي نسبة 2.8% من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 11 مليون نسمة، 70% منهم دون الـ 35 عاماً، وأخيراً ؛ بلغ عدد مدمني المخدرات  في الكويت نحو 70 ألفاً، أي 7% من السكان، بحسب مكتب مكافحة المخدرات التابع لمنظمة الصحة العالمية.

اختلاف أنواع المخدرات باختلاف الجغرافيا:

تختلف أنواع المخدرات بحسب البلد، فكل دولة عربية يكثر فيها تداول نوع معين من المخدرات، ففي لبنان تعتبر الحشيشة أكثر المواد تعاطياً، بينما ينتشر القات في اليمن، والبانغو في مصر، ومشتقات المورفين والأفيون في الإمارات، والقنّب الهندي وأقراص الهلوسة في المغرب، والماريجوانا في الكويت، والكبتاجون والأكستاسي في تونس والجزائر، والكوكائين والهيروين في السعودية، فيما تعتبر مادة الجوكر الأكثر انتشاراً في الأردن.

 

الأسباب وطرق العلاج

لا يختلف إثنان حول الأسباب المؤدية إلى التعاطي المتنامي للمخدرات في العالم العربي، لا سيما بين الشباب، وهي ذات الأسباب المعترف بها دولياً، ويقف في مقدمتها  الفراغ والبطالة وعدم وعي الشباب بأضرار المخدرات وعدم اقتناع البعض منهم بقيم المبادئ الاخلاقية أو الدينية التي تحرم تعاطيها أو المتاجرة بها، أضف إلى ذلك أن أزمات الربيع العربي ساهمت في تصاعد انتشار المخدرات من خلال تهريبها عبر حدول الدول العربية التي كان بعضها في حالات انفلات وغياب للرقابة، فضلاً عن ضعف القرار السياسي في عدد من دول العالم العربي بشأن التعامل مع المشاكل المرتبطة بموضوع المخدرات، فتأهيل المتعاطي يحتاج إلى ميزانية مالية كبيرة، لكن بدلاً من محاولة علاج المتعاطين تكتفي بعض الدول بفرض غرامات مالية عليهم لتكون العقوبة مع قصورها هي الرادع الوحيد المتاح.

فيما يجمع خبراء الطب النفسي على أن برامج الوقاية والتوعية والمكافحة والمساعدة القانونية للضحايا فيما يتعلق بخطر المخدرات، هو خير وسيلة للعلاج تسبق في أهميتها العلاج الطبي والنفسي، خاصة وأن الأخير يدخل في بروتوكوله إعطاء العلاجات المخدرة للمدمن، والتي قد تؤدي بدورها إلى إدمان آخر. كما أن هناك حاجة ماسة لوجود ممارسين وأصحاب خبرة، يدرسون ويقفون على الأسباب والدوافع المؤدية للإدمان عند الأفراد، مما يعزز القدرة على وضع الحلول المناسبة لها، ولا جدال على أهمية الحديث عن آفة المخدرات في المناهج المدرسية، وأهمية توعية الطلبة والأهالي بآفة المخدرات، وخطرها على المجتمع من خلال الأنشطة المختلفة.

يذكر أن منتدى دعم قطاع العدالة، المنبثق عن منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، أطلق العام الماضي التحالف الوطني لتعزيز مكافحة المخدرات في الأردن، بهدف تضافر الجهود وتوحيد المواقف بين الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، لوقاية المجتمع من آفة المخدرات باعتبارها من أهم عوامل تهديد الأمن الذاتي للإنسان، ومن الأسباب الرئيسية لهدم الأمن المجتمعي والأسري، وتهديد التقدم الحضاري الإنساني.