الهرطقة .. وعدنان إبراهيم!

"ليس الهرطوقي من يحترق بالنار، بل الهرطوقي من يشعل المحرقة". ينبغي أن تكون "شكسبير" كي تستطيع أن تأتي بعبارة كهذه. وكثيراً ما تساءلت "لماذا يغلي في دمي حب الهرطقة؟". وينبغي أن تكون "جورج طرابيشي" كي تعرف كيف تطرح سؤالاً بليغاً كهذا. 

الهرطقة كلمة يونانية، وتعني باختصار: أي فكر أو معتقد أو رؤية تتعارض بشدة مع المعتقدات أو العادات الراسخة، وخاصة المعتقدات الدينية.

أول من أمس؛ قرأت مقالاً صحفياً يتحدث عن "هرطقة وزندقة" المفكر الفلسطيني، عدنان إبراهيم، المقيم حالياً في "فيينا"، وأن ما يطرحه عبر خطبه مجرد فقاعات القصد منها تشويه أصول الفقه وأصول الدين، ولا يعتمد على رأيه وكلامه "المشوش والملوث"، بحسب كاتب المقالة.

على يقين أن كاتب هذه المقالة لا يدري ما معنى كلمة الهرطقة، ولا يعرف من أي بيئة خرجت، وعلى من أطلقت في بداياتها، والأهم؛ اعتقادي التام بأنه لم يقرأ كتاباً لعدنان إبراهيم، ولم يستمع إلى خطبه الفكرية والفلسفية والدينية!

لم أجد سوى عدنان لأكتب عنه؟ نعم عدنان؛ العقل الفلسفي المذهل، ابن "مخيم النصيرات" في غزة، الذي قيل فيه ما قيل، والذي جعله البعض قديساً، والبعض الآخر شيطاناً، وآخرون  قالوا فيه إنه علّامة زمانه، والرجل الموسوعة، والظاهرة الغريبة.

الطبيب الغزاوي الذي تربى في المخيمات الفلسطينية، لا يمكن أن تخرج بعد قراءة أعماله كـ "مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد" سوى بإعجاب منقطع النظير بعقلية وتفكير الرجل وقدرته الرهيبة على التنظير والمحاججة الفلسفية والعلمية الرصينة، البعيدة عن العواطف والأهواء والسذاجة الفكرية التي تصادر عقول الناس.

ذلك الرجل الذي تقف أمامه ثم تعود من حيث أتيت. هل هو داعية أم سياسي؟ هل هو أستاذ أم شيخ؟ رجل دين وخطب أم رجل فن وعشق؟ ففي الوقت الذي تعتقد أنك فهمت الرجل تكتشف أنك ما زلت بعيداً جداً عنه.

الحقيقة التي أراها؛ أن ما يحدث- للأسف-  هو الاتكاء على توصيف المعارضين، عدنان إبراهيم وغيره، لأي فكرة أو رأي، بالزندقة والهرطقة، وشيوع فكرة معاداتهم ووجوب محاربتهم، ولعلهم بذلك لا يدركون أن أولئك بشراً يحملون رؤية غير عادية ولا مألوفة، عما هو سائد في واقعهم، ويحلمون بتقدم فكر الإنسان وحضارته.

فلم يكن ابن سينا، والتوحيدي، وأبن رشد، وأبي علاء المعري، وأبن عربي، وطه حسين، وعلي شريعتي، وفرج فودة، ومعظم عظمائنا "مغضوباً عليهم" من قبل الإجماع والتيارات العامة؟ حينما كانوا يسبحون ضد التيار ليشقون الآفاق ويفتحون طريق المستقبل.

الهرطقة إذن؛ هي الخطوة الأولى نحو الفكر الجديد، الحر، المبتكر. ولا يوجد مفكر واحد في العالم له معنى إلا وهو مهرطق بشكل أو بآخر. فإذا لم تكن مهرطقاً فهذا يعني أنك كاتب ومفكر امتثالي تكرر ما تقوله الجماعة، لا أكثر ولا أقل.

لا أدعو لتمجيد عدنان ولا لتلميعه، لكنه رجل موسوعي وله اطلاع واسع في علوم كثيرة، ومذاهب فكرية وفلسفية، لا أحد ينكر ذلك؛ ولا يعني أيضاً أن نوافقه في كل ما يذهب إليه. لكن لنعرف أن المعركة الفكرية والثقافية والتنويرية لا يمكن لها أن تتوقف في هذه الحياة ما دام هناك أشخاص يحافظون على أفكارهم الحرة المجنحة، التي تزدري كل ما تواضع عليه الناس من واقع مبتذل!