"لحسبناهم أنبياء.."

يحظى الأبناء بلقمة هانئة، وملابس جميلة، ومصروف يكفيهم ويزيد، من دون أن يعرف أحدهم كم يعاني الأب في سبيل توفير ذلك، كم يؤثرهم على نفسه التي تشتهي مثلما يشتهون، وكم يمتلئ قلبه بقهر الرجال بسبب سخافة أرباب العمل وتجبّرهم عليه، لكنه يكظم غيظه ويتحمل حتى يعود لأولاده وفي يده طعام مما يشتهون، وحوائج مما يتخيرون!

هو الحنّية كلها، ملاذ الصغير، وطن الكبير، عكّاز الأمهات، وفارس الخيل الأبيض في عين البنات، ذلك الذي يخرج عن طوره أحياناً ويُبكيك، ثم من رحمته يعود بعد لحظات ليَبكيك!

هو المظلوم دائماً! ظلمناه في الحب، وظلمناه في الأدب، وظلمناه حين صغّرنا أكتاف إيثاره الذي لا ينقص مقدار حبة من خردل عن إيثار الأم، ورغم ذلك لم يُضبط متلبساً في حالة ظلم!

هو الذي يحبنا لذاتنا وكما نحن: بجمالنا أو بشاعتنا، بوداعتنا أو شقاوتنا، برقتنا أو غلظتنا، وهو الوحيد الذي يحني ظهره راضياً مرضياً ليستقيم أمرنا، يفعل ذلك بلا منّة ودون شروط، هو الوحيد الذي يتنازل دائماً من أجلنا، ولا ينتظر أن نرد له التنازلات بمثلها.

من قال إن البكاء علينا حكرٌ على الأمهات؟ ومن ذا الذي صور الأب بمظهر الجامد الذي لا يلين؟!

والله إن الآباء يبكون كما تبكي الأمهات وأكثر، يبكي الواحد منهم لسبب، وبدون سبب!

يبكي الأب طفلته إذا مرضت، وإذا تخرجت، وإذا تزوجت، يبكي إذا عجزت يده الضيقة عن تحقيق رغبات أطفاله، ويبكي أبويه الراحلين إذا مروا في باله، يبكي لبكاء زوجته، ويبكي أولاده الذين أنفق عمره على عمرهم، يبكي إذا صاروا كما يريد، ويبكي إذا خاب أمله بأحدهم، يبكي حتى لمجرد أن صار أباً!

يبكي الأب ويورثنا هذه العادة، فنظل نبكيه كلما استبد به الأنين، أو غادرنا فاستبد بنا الحنين!

 سلامٌ على الآباء، أولئك الذين لو لم ينتهِ الوحي حسبناهم أنبياء!