انتحار بسنت!

لن تكون حادثة انتحار الفتاة المصرية "بسنت خالد" الأسبوع الماضي، بعد تعرضها لابتزاز إلكتروني من قبل شابين، قاما بنشر صور مفبركة لها، الأخيرة في الوطن العربي والعالم، فثمة مئات الضحايا يفقدون حياتهم سنوياً بمثل هذه الظروف.

في تفاصيل القصة؛ أقدمت بسنت (17 عاماً) على الانتحار بعد قيام شابين بفبركة صور لها باستخدام أحد برامج تعديل الصور، ثم نشرها على موقع الـ "فيسبوك" لابتزازها. لم تتحمل الفتاة رقيقة المشاعر، التبعات الاجتماعية لانتشار تلك الصور في قريتها، فأقدمت على إنهاء حياتها، تاركة خلفها رسالة وداع، وفق ما ذكرته عدة وسائل إعلام محلية.

انتشار الابتزاز الإلكتروني في مصر، ودول عربية كثيرة، مشكلة كبيرة تساعد عليها التقنيات الإلكترونية الجديدة، والخواء الأخلاقي والتربوي. فخلف شاشات هواتفنا وحواسيبنا تقع جرائم كبيرة، عادة ما تكون ضحاياها من الفتيات الصغيرات في السن، وأحياناً راشدات، يقعن ضحية هذا الابتزاز.

الملاحظ أن التعاطف مع الضحية بسنت، كما أظهرت مواقع التواصل الاجتماعي، جاء بعد انتحارها بصورة مفجعة، وكانت قبلها قد تعرضت لتنمر وسخرية وتشهير من محيطها، وحتى من معلميها وزميلاتها في المدرسة، ما فاقم من أزمتها النفسية.

وقوع الفتيات تحت نيران التحرش الجنسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بين يدي "مبتز" من أجل الوصول إلى غايته، مستغلاً بذلك مشاعر ضحاياه، ومستخدماً مهاراته للسيطرة على مشاعرهن، قد تصل إلى جرائم أكبر كـ "هتك العرض"، وقتل الضحية من قبل ذويها في بعض الأحيان حال فضح أمرها.

ومع انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في المملكة، سُجل نحو 9225 جريمة إلكترونية العام الماضي، أحيل منها نحو 6605 قضية إلى القضاء، وأغلبها تتعلق بالتهديد والابتزاز والذم والتحقير، وفقاً لمديرية الأمن العام.

ويعرّف مفهوم الابتزاز الإلكتروني، بأنه عملية تهديد وترهيب للضحية بنشر صور أو مواد فيلمية، أو تسريب معلومات سرية تخص الضحية، مقابل دفع مبالغ مالية أو استغلال الضحية للقيام بأعمال غير مشروعة لصالح المبتزين. وعادة ما يتم تصيّد الضحايا عن طريق البريد الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة كـ "فيسبوك، تويتر، وإنستغرام" وغيرها، نظراً لانتشارها الواسع، واستخدامها الكبير من قبل جميع فئات المجتمع.

أردنياً؛ فإنه "كل من ارتكب أي جريمة معاقب عليها بموجب أي تشريع نافذ، باستخدام الشبكة المعلوماتية أو أي نظام معلومات أو موقع إلكتروني أو اشترك أو تدخل أو حرض على ارتكابها، يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في ذلك التشريع"، وفق المادة 15 من قانون الجرائم الإلكترونية.

في الأردن؛ تنص المادة 9 من قانون الجرائم الإلكترونية، بأنه "يعاقب كل من أرسل أو نشر عن طريق نظام معلومات أو الشبكة المعلوماتية قصداً، كل ما هو مسموع أو مقروء أو مرئي، يتضمن أعمالاً إباحية أو تتعلق بالاستغلال الجنسي لمن لم يكمل الثامنة عشرة من العمر، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن 300 دينار ولا تزيد على 5 آلاف دينار".

عالمياً؛ وبحسب تقارير الأمم المتحدة، فإن 7 من بين كل 10 مراهقين تعرضوا لحوادث تنمر في مرحلة ما من حياتهم، ويُقدم 1 من كل 3 أشخاص من ضحايا التنمر الإلكتروني على إيذاء أنفسهم، بينما يُقدم 1 من كل 10 من بين هؤلاء على الانتحار بالفعل.

أما بالوطن العربي؛ فترتفع معدلات جرائم الابتزاز الإلكتروني في دول الخليج بشكل ملحوظ، فتسجل 30 ألف جريمة ابتزاز إلكتروني بدول الخليج سنوياً، 80% من ضحاياها نساء، أغلبهن يتم استهدافهن بمحتوى جنسي. بينما لا يمكن تقديم إحصاء دقيق عن المعدلات الحقيقية للجرائم، لتفضيل غالبية الضحايا الصمت تجنباً للفضيحة.

ليس فقط تطبيق القانون وتفعيله هو الحل في هذا السياق، بل التوعية الواسعة بمثل هذه الجرائم وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للضحايا أيضاً. فالعالم اليوم بحاجة لمزيد من القوانين الرادعة التي تجرم الابتزاز الإلكتروني، مع زيادة توعية النشء بمخاطر الأجهزة الذكية قبل استخدامها، وعدم إغفال دور الأسرة في مراقبة الأبناء ودعمهم وإشعارهم بالثقة والأمان في حال تعرضوا لمثل هذه الحالات، وإلا فقدنا عدداً أكبر من المراهقين والشباب.