الوقاية بداية التعافي

"إن جرعتين من اللقاح لا تكفيان لكبح أوميكرون". تصريح أطلقه مؤخراً رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، يحذر فيه العالم من أخطار وتداعيات وسرعة انتشار المتحور الجديد الذي رصد في أكثر من 60 دولة حتى الآن، وبات يشكل خطراً عالمياً كبيراً.

رغم خطورة المشهد الصحي الذي نعيشه اليوم، والمصائب التي خلفها فيروس كورونا والعدد الهائل من البشر الذين ماتوا بسببه، لا يزال كثيرون رافضين تماماً للقاحات، إما بسبب الآثار الجانبية لبعض هذه اللقاحات أو تصديقهم لنظريات المؤامرة المنتشرة حول الجائحة، أو خوفهم من أن اللقاحات طورت بسرعة، ولم تخضع للاختبارات الكافية.

يصاحب ذلك ميل كثيرين في عدد من الدول لعدم الالتزام بإجراءات التباعد والوقاية مثل ارتداء الكمامات؛ ما أسهم في الارتفاع الكبير للإصابات، وظهور سلالات جديدة متحورة من الفيروس، أشد خطراً وأسرع انتشاراً.

الخوف من اللقاح أمر طبيعي، كالخوف من أي عقار جديد، لكن وقوع الناس في فخ نظريات المؤامرة والتشكيك في اللقاحات، يجعلهم يبتعدون عن حقائق مهمة حول فائدة اللقاحات، وعن آراء العديد من الجهات العلمية والطبية، ومناشدات منظمة الصحة العالمية للحصول على المطعوم باعتباره السلاح الأقوى ضد جائحة كورونا.

ومفهوم أيضاً، خوف البشرية من الإجراءات التي رافقت انتشار واستخدام اللقاحات، من ناحية عدم أخذ الدورة الطويلة للقاح مثلاً، واستخدام التكنولوجيا فيه، والإجراءات الاحترازية المصاحبة له كقانون الدفاع والتوسع فيه، وزيادة السلطوية بالقرارات.

وإذ نتفهم حقيقة عدم وجود وقاية كاملة عند أخذ اللقاحات، ولعلها غير قادرة على اجتثاث فيروس كورونا بشكل كامل أو نهائي، لكنها قد تحد من مخاطر الإصابة وتخفف الأعراض الخطيرة.

بصيغة أخرى؛ فإن اللقاحات تعني الوصول إلى نقطة يصبح معها الفيروس مثل الإنفلونزا، مرضاً عابراً يمكن التعايش معه. ففاعلية اللقاحات في منع الإصابة بالمرض كبيرة ومهمة، خصوصاً أن الذين أصيبوا بالفيروس وتلقوا اللقاح فإن أعراضهم كانت خفيفة وأكثرهم لم يكن بحاجة لدخول المستشفيات، بينما الذين لم يأخذوه فقد استمرت معدلات الإصابة والوفاة بينهم.

في دراسة نشرتها هيئة مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية في أميركا مؤخراً، تبين أن الأشخاص الذين لم يأخذوا اللقاح كانوا أكثر عرضة بنحو 5 مرات للإصابة بالعدوى، و10 مرات أكثر عرضة للدخول إلى المستشفى نتيجة الإصابة، و11 مرة أكثر عرضة للوفاة من الأشخاص الذين تم تطعيمهم.

أردنياً؛ استهدفت حملة التطعيم ضد كورونا نسبة 65% من المواطنين كحد أدنى، ولكن خلال الـ 8 أشهر السابقة من حملة التطعيم وصلت نسبة المطاعيم إلى 3 ملايين شخص مطعم بجرعتين من اللقاح، ما يشكل نصف النسبة المطلوبة.

أما عالمياً؛ فتلقى نحو مليار شخص اللقاح، منهم 230 مليوناً في أميركا وحدها، و229 مليوناً في الصين، و123 مليوناً في الاتحاد الأوروبي، في حين أن نسبة من تلقوا التطعيم في أفريقيا كلها لم تتجاوز 1.3 %؛ وذلك بسبب قلة الموارد المالية واستحواذ بعض الدول الغنية على النسبة الأعلى من اللقاحات المتوفرة.

نريد حملات توعوية تتعدى المخاطبة عبر وسائل الإعلام التقليدية، من خلال نزول العاملين في القطاع الصحي إلى الميدان والحديث مع الناس حول إجراءات الوقاية، وتبيان أهمية أخذ اللقاح لتحقيق المناعة.

لا ندعو لإلزامية أخذ اللقاح، ومعنيون جميعاً بالوقاية من الوباء، وزيادة الوعي المجتمعي باتباع الإرشادات الوقائية، وعلى جميع المؤسسات الأهلية والرسمية القيام بدورها التنويري، مستندين إلى العلم وأدواته في إقناع الناس بعيداً عن التهديد والعقاب.