إلى رشدي الذي صار منا!

لم تهزني منذ سنوات وفاة شخصية لا أعرفها شخصياً ولم ألتق بها كما فعلت وفاة المخرج السوري الكبير حاتم علي، الذي مرت ذكرى وفاته السنوية قبل أيام، ولا أعرف سبباً وجيهاً لذلك، لكن ربما أن تجسيده لشخصية رشدي في مسلسل التغريبة الفلسطينية الذي أخرجه بنفسه جعلته واحداً منا، شقيقنا، أو ابننا، أو ابن حارتنا، ذلك الفتى الذي يشبه آلاف الفلسطينيين الذين ولدت همومهم قبلهم، وحرمهم الاحتلال الغاصب من أمهاتهم وآبائهم، وبطبيعة الحال لم يكن أمام العائلات الفلسطينية التي عاشت النكبة خيارات سوى الفُرقة، مرة بفعل الموت، ومرة بفعل التهجير والضياع!

رغم أن كل مشهد من مشاهد التغريبة الفلسطينية كان تاريخاً بحد ذاته، لكن المشهد الأخير الذي جسده حاتم علي كان التاريخ كله، حين رفض المنحة الدراسية بالخارج، وذهب ليحمل بارودة والده ليكمل درب المقاومة ودرب الدفاع عن البلاد التي لم يُخلق مثلها في البلاد !

كثيراً ما أعود إلى هذا المشهد، وصرت في السنوات الأخيرة أعود إليه أكثر وأكثر، خاصة وأنا أشاهد هرولة العرب وانبطاحهم أمام عدوهم الذي سامهم الخسف، وسفه أحلامهم، وسرق أوطانهم، أعود إليه لأتيقن أن الفلسطيني لم يبع، وأنهم كلما حاولوا صرف نظره عن قضيته تمسك بها أكثر وغلبه الطبع، وأن كل طريق لفلسطين لا يبدأ بالبندقية هو السراب بعينه!

هل تعلم يا حاتم؟

كنت أتمنى أن تعيش طويلاً لتُخرج الجزء الثاني من التغريبة الفلسطينية، جزء يبين أن ما جرى هو حُلم "بارد وجه"، وأن أبا أحمد (الراحل خالد تاجا) ما زال في أرضه، وما زال موسم الزيتون أكبر همومه.. من حق الرجل في الجزء الثاني أن يدفن في أرضه وبين أهله، فموت الإنسان في الغربة موتين!

كنا نتمنى جزءاً آخر يبين أن الطيران العربي لم يستسلم أمام طيران العدو خلال ساعات، فليس من المعقول والمقبول أن تتمكن (شوية عصابات) شُكلت خلال أيام من هزيمة جيوش مدربة ومنظمة!

كنا نتمنى جزءاً آخر يظل فيه أبو صالح (جمال سليمان) كما كان في بداية الجزء الأول، زعيم الثورة وعزيز النفس الذي لا يُكسر، ففي انكسار الحر كفنه!

أما أم أحمد (جولييت عواد)، فحبذا في الجزء الجديد أن يثمر وقوفها الطويل على الباب بعودة من غاب، وأن تشطب عبارة "أنا ما بدفني إلا أخوك أبو صالح" التي قالتها لابنها علي (تيم حسن)، فليس من الإنصاف أن يكون اختيار الابن الذي سيدفن هي طريقة الفلسطيني الوحيدة بالتمييز بين أولاده!

بخصوص حسن (باسل خياط)، فينبغي أن يكون الجزء الثاني بداية رفع الظلم عنه، فقد ضحى بدراسته من أجل شقيقه، كما أن الفتاة التي أحبها ماتت مظلومة أمامه ولم يستطع رد الظلم عنها، حتى حين استشهد بعث لأهله البارودة التي جاهد فيها، والتي هي بالأصل لزوج شقيقته، يعني فعلياً لم يعد من رائحته شيء يواسي أهله.. كم يشبه حسن الفلسطينيين يا حاتم، فهم ينفقون حياتهم ما بين التضحية، وتجرع الظلم، والحزن على حبيبة اسمها فلسطين سُرقت منهم!

أعرف أن ما أقوله لك أضغاث أحلام، فما حدث كان حقيقة، وأنت لن تعود، ولن تخرج أجزاءً أخرى، لكننا أحببنا أن نقول لك شكراً، وسنظل نقولها كلما استذكرناك، فقد وثقت الوجع الفلسطيني والحق الفلسطيني بأوضح صورة، وإن نحن عجزنا عن استرداده، فعسى أن تعود الأجيال القادمة –كما عدت أنت- للبندقية، فتعيد لنا فلسطين الهوى والهوية!