الحماية الاجتماعية في 2021.. إما المرض أو العوز!

توارى العام 2021 في الوطن العربي مخلفاً وراءه أحداث وتطورات، لعلها الأقسى والأصعب معيشياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً على أغلب سكانه، جراء تداعيات جائحة كورونا، التي لا نعرف حتى اليوم متى ستنتهي، واستمرار تأثيرها على الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل والفئات الأقل رعاية.

عامٌ حافل بالقضايا والأحداث والتطورات على مستوى الشرق الأوسط. فبعد مرور عامان على جائحة كورونا، تبين أنها قد أثرت بشكل غير متساوٍ على الفقراء، ويعود ذلك في أغلب الأحوال إلى قصور شبكات الأمان الاجتماعي، وتردي الأوضاع الاقتصادية، خصوصاً في البلدان التي تعاني من حروب مثل اليمن وسوريا وليبيا والعراق. كما تعرض النازحون واللاجئون إلى ظروف غاية في القسوة، بسبب الجائحة وفقدان فرص العمل.

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن جائحة كورونا دفعت بنحو ثمانية ملايين شخص إضافيين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى هوة الفقر المدقع، فضلاً عن 26 مليون مشرد قسراً (لاجئون ونازحون داخلياً)، فيما يعاني ما يقارب 16 مليون شخص منهم من انعدام الأمن الغذائي.

الأمر لا يتوقف هنا؛ فخلال عام 2021 وبحسب تقديرات رسمية، سجلت المنطقة العربية نقصاً في الأغذية وارتفاعاً حاداً في الأسعار، بسبب وباء كورونا، وتسبب الوباء بتعطيل الإمدادات الغذائية العالمية، مقابل تكبد المنطقة العربية خسائر تقدر بنحو 60 مليار دولار سنوياً بسبب فقدان الأغذية وهدرها. 

على المستوى المحلي؛ ورغم أن حزمة الحماية الاجتماعية طالت أكثر من 241 ألف أسرة هشة وفقيرة، جلها من أسر عمال المياومة المتأثرين بالجائحة، يضاف إليها 150 ألف أسرة أخرى من منتفعي برنامجي المعونات الشهرية والدعم التكميلي من صندوق المعونة الوطنية، فإن خبراء يرون أن "الاستجابة لم تكن فعالة من حيث تعزيز الحمايات الاجتماعية للمتضررين، ولم تكن شاملة لجميع المتضررين، فضلاً عن ضعف قيمة الدعم المقدم".

هذه الآراء تعززها نتائج تقارير متخصصة أجريت مؤخراً، بينت أن "68% من الفئات الأكثر ضعفاً في الأردن فقدت سبل عيشها خلال فترة الإغلاقات، في حين واجه 85.6% صعوبات في تلبية الاحتياجات الأساسية، مثل الإيجار والغذاء والتدفئة والأدوية".

ليس جديداً أيضاً؛ وجود شرائح أخرى من المسنين والأطفال والنساء واللاجئين وذوي الإعاقة والعمال المهاجرين في المنطقة العربية، التي لا تقل معاناتهم في هذه الأزمة عن أيامهم الاعتيادية، حيث يكابدون ظروفاً معيشية قاسية، ويأملون بمظلة حماية اجتماعية تعينهم على العيش الكريم المستقر.

وفي تقرير "اللامساواة العالمي 2022"، الصادر الأسبوع الماضي عن (World Inequality Lab)، بيّن أن منطقة الشرق الأوسط هي الأكثر تفاوتاً في العالم، وأن الفقراء والضعفاء يمثلون أكثر من ثلثي إجمالي السكان، في حين أدت أزمة كورونا إلى تفاقم حالة اللامساوة في المنطقة.

كما بين التقرير أن نسبة البطالة بين الشباب في كثير من الدول العربية وصلت من 40 إلى50%، وذلك نتيجة أزمات عديدة ومزمنة، مثل عدم الاستقرار السياسي، والأطر التنظيمية الضعيفة، ومؤسسات سوق العمل، والقيود المالية، والفساد، والافتقار إلى التنوع الاقتصادي.

أما فيما يتعلق بالأنظمة الغذائية في المنطقة، فأوضح التقرير ذاته أن نسبة العرب الذين يعانون من نقص التغذية ارتفعت نحو 15.8% منذ عام 2014، والأكثر إثارة للقلق، بنسبة 91% خلال العقدين الماضيين، فيما أضافت الجائحة مليون شخص آخر يعانون من نقص التغذية، ليصبح المجموع حوالي 69 مليوناً. كما اتسع نطاق انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد في السنوات الأخيرة ليبلغ 141 مليون شخص.

وبشأن التعليم والأطفال؛ فتشير التوقعات إلى خسارة الأطفال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عاماً إضافياً من التعليم، نتيجة إطالة أمد إغلاق المدارس، وفق تقرير جديد أطلقه البنك الدولي واليونيسف واليونسكو. فأزمة التعليم الناتجة عن الجائحة، كانت في السابق، إذ كان الطلاب معرضون لمخاطر نتائج التعليم متدنية المستوى.

قبل الجائحة، بلغ عدد الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدرسة ممن تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عاماً حوالي 15 مليون طفل، وعانى حوالي ثلثا الأطفال في جميع أنحاء المنطقة من عدم المقدرة على القراءة بكفاءة. بالإضافة إلى 10 ملايين طفل ممن كانوا عُرضة لخطر التسرُّب من المدرسة بسبب الفقر والتهميش الاجتماعي، وأيضاً بسبب النزوح والاضطراب الناجم عن النزاعات المسلحة المستمرة.

وبما يخص عمال المياومة؛ فإن ما تم تقديمه من حكومات المنطقة للعمال في القطاع غير المنظم "متواضع وغير كافي ولا يسد حاجتهم"، حيث كان عاماً قاسياً وصعباً بدرجة كبيرة عليهم.

في عام 2021؛ زادت القيود على الحيز المالي للاقتصادات العربية نتيجةً لمجموعات الحوافز التي أقرتها عدة حكومات في المنطقة للتخفيف من آثار الجائحة، ونتيجةً للزيادة الكبيرة في الإنفاق على الصحة  وللانخفاض غير المسبوق في أسعار النفط. ومن المتوقع أن يرتفع العجز المالي في المنطقة إلى 11.2%، في حين يتوقع أن ترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 67.9%.

وفي منطقة ملتهبة وتعيش أزمات ونزاعات مسلحة وحروب في كل من سوريا واليمن والسودان وفلسطين والعراق وليبيا، تزداد أهمية الاستجابة للاحتياجات الملحة والناشئة للسكان من أجل بناء الصمود ودعم جهود التعافي لدى الأسر المحرومة، ليس فقط عن طريق تقديم المساعدات، وإنما أيضاً بإيجاد قوانين وتشريعات تلزم تلك الدول بتقديم الحماية الاجتماعية لهؤلاء.

ملامح العام الجديد غير المعلنة، تحتاج إلى مزيد من أنظمة الحماية الاجتماعية وتوفير وظائف وأجور عادلة وخدمات تعليمية وصحية وغذائية للناس. فالحماية الاجتماعية نطاق كبير جداً، وتشمل على المساعدات والتأمينات والخدمات وسياسات سوق العمل، وهي اليوم بحاجة إلى استراتيجيات وأنظمة وقوانين ومؤسسات تمتلك إرادة التغيير.

عام مضى، وحصد فيه الوباء الأرواح، وشردت البطالة الأسر وخربت البيوت. في ظل غياب أي إجراءات حقيقية للحماية الاجتماعية من قبل حكومات البلدان العربية، حيث وجد العرب أنفسهم أمام خياران أحلاهما مر إما المرض أو العوز.

على مشارف السنة الجديدة؛ هناك ضرورة لإنعاش منظومة الحماية الاجتماعية عربياً وتفعيلها بشكل أكبر، لتقليل معاناة تلك الفئات، يقابلها ضرورة أخرى تهدف إلى تقديم قراءة دقيقة لمعرفة أوجه القصور والخلل والصواب أيضاً لواقع خدمات الحماية الاجتماعية في الوطن العربي، والمتعلقة ببرامج المساعدات والرعاية الاجتماعية.