محمد مهدي الجواهري..المتنبي في شعره، وفي تأرجح علاقته بالسلطة

"لم يأت بعد المتنبي شاعرٌ كالجواهري"، ربما تكفي هذه العبارة التي اتفق عليها النقاد، إذا أردنا الحديث عن سيرة الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، بل إن الشاعر والناقد فالح الكيلاني اعتبره متنبي العصر الحديث في كتابه (الموجز في الشعر العربي-شعراء معاصرون)، حيث تشابه الأسلوب، وقوة القصيدة، والحكمة البالغة التي تجعل شعره صالحاً أبداً، وربما لم يُجمع النقاد ومتذوقو الأدب العربي على شيء مثل إجماعهم على أن صاحب القبعة الأشهر في القرن العشرين هو "شاعر العرب الأكبر ".

خُلق ليكون شاعراً

في السادس والعشرين من يوليو حزيران عام 1899، ولد "محمد مهدي" (وهو اسم مركب) في مدينة النجف الواقعة في الجنوب الغربي للعاصمة العراقية بغداد، لعائلة دينية معروفة، فوالده عبد الحسين النجفي كان عالماً معروفاً، أما جده الأكبر فهو محمد حسن صاحب كتاب "جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام"، ولهذا لقبت العائلة بالجواهري.

كان البيت الذي نشأ فيه شاعرنا عامراً باللقطات الدينية والعلمية والأدبية، فبالإضافة إلى منزلة والده الدينية والعلمية، فقد كان يقرض الشعر أيضاً، وقد عاش ابنه بين عنادين، عناد الوالد الذي أراد لمحمد مهدي أن يسير على خطاه، فألبسه عباءة العلماء وعمامتهم وهو في سن العاشرة، وعناده الشخصي بأنه لن يسلك طريقاً غير الشعر، وقد تحدث عن هذا الأمر في مقابلة تلفزيونية قائلاً : "خُلقت لأكون شاعراً، وقد عرفت السهاد مذ كان عمري سنتين، أهل بيتي ينامون، بينما أنا أراقب النجمات، وتشدني واحدة منهن فأسهر معها حتى الصباح"، كان يبكي بفعل العاطفة، لا بفعل احتياجات الطفولة، وبفضل صدق العاطفة تبوأ في الشعر منزلة شاخصة.

متمرد مع سبق الإصرار..

لم يتمرد الجواهري على رغبة والده فقط، بل تمرد على العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة في مدينة النجف، ويتجلى ذلك في قصيدة "رجعيون" التي كتبها موبخاً علماء النجف الذين عارضوا بناء مدرسة للبنات في مدينتهم، فقال في بعض أبياتها  :

فما كان هذا الدين لولا ادّعاؤهم … لتمتاز في أحكامه الطبقات
أتُجبى ملايينٌ لفردٍ وحوله … ألوفٌ عليهم حلّت الصدقاتُ

فهَلْ قَضتِ الأديان أن لا تُذيعَها ... على الناس إلا هذه النُكِرات

كان نهج قصائده ثورياً، وتعرض للاعتقال عدة مرات، وكان ذا نفس متمردة ورافضة للأوضاع الاجتماعية الصعبة التي يكابدها بنو جلدته، فخسر بسبب ذلك قربه من السلطة ومن رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم خلال السنين الأولى من قيام النظام الجمهوري في العراق، وقد اختزل الجواهري انقلاب العلاقة بينهما قائلاً : "كنت أتوسط عنده فيُفرج عن محكومين بالإعدام، ثم عرض بيتي للبيع بالمزاد العلني"، وعلى إثر ذلك أُجبر الجواهري على مغادرة العراق عام 1961 إلى لبنان، ومنها إلى التشيك، ولم يعد لبلاد الرافدين إلا عام 1968 حين آلت مقاليد الحكم لحزب البعث، لكنه ما لبث أن غادر العراق مجدداً عام 1980 بعد أن أصبح صدام حسين رئيساً، وكانت هذه السنة آخر عهده بالعراق.

شاعر الرثاء الأكبر

ثمة محطات فقد مؤلمة في حياة الجواهري، كانت سبباً في انفجار إبداعه في قصائد الرثاء التي أثبت أنه شاعرها الأكبر أيضاً، وكان أبرزها إصابة أخيه "جعفر" في مظاهرة الجسر الشهيرة عام 1948، والتي انطلقت ضد معاهدة بورتسموث مع بريطانيا، ثم توفي بعد عدة أيام متأثراً بجراحه، فرثاه بقصيدة "أخي جعفر"، وهي واحدة من القصائد التي تربعت على عرش قصائد الرثاء في تاريخ الشعر العربي، ومن أبياتها:


أتعلم أم أنت لا تعلم .. بأن جراح الضحايا فم
فمٌ ليس كالمدعي قولةً .. وليس كآخر يسترحم
أتعلم أن جراح الشهيدِ .. تظلّ عن الثأر تستفهم
أتعلم أن جراح الشهيدِ .. من الجوع تهضم ما تلهم
تمص دمًا ثم تبغي دماً .. وتبقى تلحّ وتستطعم

أتعلَمُ أنَّ رِقابَ الطُغاة .. أثقَلَها الغُنْمُ والمأثَم

وأنّ بطونَ العُتاةِ التي .. مِن السُحتِ تَهضِمُ ما تهضم

وأنَ البغيَّ الذي يدعي .. من المجد ما لم تَحُزْ " مريم "

ستَنْهَدُّ إن فارَ هذا الدمُ .. وصوَّتَ هذا الفمُ الأعجم

 

أما الحدث الثاني فكان وفاة زوجته "أم فرات" ابنة العشرين عاماً، وقد أعجلها مرضٌ لم يمهلها سوى أيام ثلاثة بينما كان هو في لبنان ولم يودعها، فكتب قصيدة "ناجيت قبرك" التي صارت ترويدة يرددها العرب من المحيط إلى الخليج كلما فقد أحدهم عزيزاً، وقد جاء في بعض أبياتها:

 

في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أَجِــدُ

أهذهِ صَخرةٌ أم هذهِ كَبِـــدُ

قدْ يقتلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُـدوا

عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِــدوا

إنَّا إلى اللهِ!  قولٌ يَستريحُ بــهِ

ويَستوي فيهِ مَن دانوا ومَن جَحَدُوا

مُدي إليَّ يَداً تـُمْدَدْ إليكِ يد

لا بُدَّ في العيشِ أو في الموتِ نَتَّحِـدُ

ناجيتُ قَبْرَكِ أستوحـي غياهِبَـهُ

عنْ حالِ ضَيْفٍ عليه مُعْجَلاً يَفِـدُ

 

صاحب القبعة الأشهر

كان الجواهري أشهر من اعتمر قبعة في القرن العشرين، وقد كشف سر ارتدائها في مقابلة تلفزيونية مع الإعلامي والصحفي السوري سفيان جبر، فقال: "أُصبت بنزلة برد أثناء مشاركتي في مؤتمر أدبي في الاتحاد السوفيتي السابق، ونصحني الأطباء بارتداء غطاء رأس لوجود حساسية في رأسي، فلفتت انتباهي قبعة مخملية كانت معروضة في حانوت المستشفى، فارتديتها، ومنذ ذلك الحين لازمتني ولم أكن أخلعها حتى أثناء النوم". وكانت معظم هذه القبعات تصله هدايا من أوزبكستان وأذربيجان.

وفي هذه كان متنبي أيضاً..

بعيداً عن تشابه لغة الشعر بينهما، إلا أن الجواهري كان يشبه المتنبي بسلوكه مع السلطة وتأرجح علاقته معها، فرغم معاداته للسلطة، إلا أن ذلك من يمنعه من التقرب منها أحياناً، وقد كانت علاقته وطيدة مع الملوك والرؤساء العرب، فقد مدح الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال في قصيدة "يا سيدي أسعف فمي"، ومدح الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في قصيدة "سلاماً أيها الأسد"، وقد عاش مُكرّماً في سوريا، وخُصص له منزل وسيارة، حتى وافاه الأجل في السابع والعشرين من تموز/يوليو عام 1997، ولم يوصِ بدفنه في بلده، فدفن في مقبرة الغرباء في العاصمة السورية دمشق، وكُتب على شاهد قبره "يرقد هنا بعيداً عن دجلة الخير"، فكان شاهد القبر مقترناً بقصيدته الشهيرة التي نظمها في الغربة، وهي من أبلغ قصائد الحنين إلى الوطن، وقال فيها :

حييت سفحك عن بعد فحييني

يا دجلة الخير يا أم البساتين

حييت سفحك ظمآنا ألوذ به

لوذ الحمائم الماء والطين والطين

يا دجلةَ الخيرِ يا نبعاً أفـــــارقُهُ

على الكـــــراهةِ بين الحينِ والحين

إنِّي وردتُ عيونَ الــــماء صافيةً

نبْعاً فنبْعاً فما كــــــانت لترْويني

عمل الجواهري في الصحافة، وكان أول نقيب للصحفيين في تاريخ العراق عام 1959، وقد أسس العديد من الصحف مثل "الانقلاب" و "الفرات" وكان مصيرها الإغلاق، كما عمل في سلك التدريس، لكن صورته وسيرته كشاعر ظلت هي الماثلة.