في بلاط "صاحبة الجلالة"

"قبل أن تحترف الصحافة كمهنة، لا بد أن يكون لديك حد أدنى من الموهبة"، عبارة قالها ليّ صحافي "مخضرم" في أحد الأيام، ولم أفهم معناها إلا عندما دخلت معترك هذه المهنة وعشت تفاصيلها بحلوها ومرها.

في بدايات العمل الصحفي، ستصيبك نشوة غير مسبوقة، ولا تضاهيها غيرها، خصوصاً حين يضعون أسمك على أول مادة صحفية تكتبها في حياتك، لتعلم بعد مرور السنوات أن هذه النشوة ستصبح عادية ومألوفة!

أكتب تلك الكلمات بعد سنوات من العمل في بلاط "صاحبة الجلالة"- الصحافة- التي لم يكن تعلقي بها صدفة أو ضرباً من خيال، فقد كانت أجواء الصحف الورقية تستهويني مذ نعومة أظفاري.

أعود بذاكرتي لليوم الأول في الصحافة، حين اكتشفت للمرة الأولى أقسام صحيفة "الغد" من الداخل، مدفوعاً بأسئلة وتفاسير كثيرة. ففي "الغد"؛ بدأت متدرباً، وكان الدرس الأول الذي تلقيته من الأساتذة الكرام "عليك بالقراءة"، وبالفعل؛ بدأت التهم الكتاب تلو الآخر، وأقرأ الصحيفة باليوم الواحد مرات عديدة؛ لكي أكتشف صياغة الأخبار والتقارير الصحافية، معلناً بذلك بدء تعلم المهنة.

مع القراءة؛ بت أشق طريقي بنفسي في محاولة فهم ما يُنشر عبر صفحات "الغد"، مع استفسارات مزعجة أقذف بها في  وجه المحرر، لكي يعلمني صياغة المادة وتحريرها. إلا أن المتعة الحقيقة لأي صحافي، تكون بعد نشر المادة الأولى له، فلا تجد نفسك إلا محلقاً بين أروقة المكان، ممسكاً بعدد الصحيفة لذلك اليوم، متباهياً بنشر أسمك الذي ستتخذه طوال حياتك المهنية.

بعد سنوات وذكريات و"خبطات" وجوائز وتقديرات عديدة في مسيرتك المهنية، ستدرك أن العمل في الصحافة صعبٌ لدرجة كبيرة، ليس لقلة الفرص الوظيفية فقط، إنما لصعوبة الصمود بوجه المتغيرات والرياح التي ستباغتك من حيث لا تدري.

 فلا أشد من أن تحافظ على ذاتك في هذه المهنة الإبداعية، التي قد يراها البعض حرفة، وقد ينظر إليها آخرون على أنها موهبة، بينما كثيرون يتعاملون معها على أنها مجرد هواية، وهي على عكس ذلك تماماً. فعند ممارسة العمل الصحفي ستجد أنك في عالم لا ينتهي ومتجدد في كل لحظة.

وأكثر من أي وقت مضى، وفي ظل ضبابية المشهد المحلي والعربي، نحن بحاجة اليوم لأن تكون الصحافة أكثر ارتباطاً بالشعب، وتدخل همومهم، وتعبر عن مشاعرهم وآمالهم، خصوصاً أن العالم يشهد تحولات وتناقضات كثيرة، من هنا أو هناك، الأمر الذي يتطلب أن نعيد لوسائل الإعلام حضورها ومكانتها في نفوس الناس.

هذه الأولوية، تحتاج لصحفيين يجيدون العمل بهذه المهنة ويرفعون راياتها عالياً، من خلال تحسين صورة الإعلام، وأن تكون هنالك قابلية حقيقية للإعلاميين، بتعلم المزيد من المهارات والتقنيات التي تخدمهم في أعمالهم.

صورة الصحافة التي قد تكون مشوهة، وربما معطلة عن التقدم والانفتاح مردها - كما أعتقد-  تدخل السياسات وأصحاب رؤوس الأموال، وأحياناً افتقار الكفاءات المهنية، التي تتسبب في كثير من الأحيان إلى تراجع المؤسسات التي تعمل بها، وبالتالي؛ تؤخر اللحاق بركب التطور والانطلاق نحو المستقبل.

لا نريد أن نفقد الأمل بهذه المهنة أو العمل بها، لكن لنتذكر قول الشاعر العراقي، أحمد مطر "إنني لم أتجاهل وسائل الإعلام، بل تجاهلت وسائل الإعدام، تلك التي تكتب بالممحاة، وتقدم للناس فراغاً خالياً محشواً بكمية هائلة من الخواء".

ولا أصدق من حديثه حينما قال "بطاقتي الشخصية: ارتباطي بقضية كل إنسان ضعيف ومستلب، شغلي: كنس العروش الفاسدة، مكسبي: احترامي لذاتي، خساراتي: أرباح، أصبحت لكثرتها أغنى الأغنياء".

هلم فخراً بنفسك، وبعملك في الصحافة.. ولا تنسى وأنت تنظر إلى نفسك في المرآة أن تقول: "ألف شكر.. لم أبعني لأحد".