أسمى خضر .. لن تُرفع الجلسة إلى أن تتحقق العدالة

لطالما حاولت الحياة أن تأخذ أسمى حنا خضر من ملعبها المحبب (الدفاع عن حقوق الإنسان وقضايا المرأة)، ورغم أنها استلمت أكثر من حقيبة وزراية، إلا أن ذلك لم يشغلها عن القضايا التي ناضلت من أجلها، على العكس تماماً، كانت تسخّر كل منصب حكومي تتولاه في سبيل ما آمنت به وعاشت من أجله، ويوم أمس وافاها الأجل عن 69 عاماً بعد صراع مرير مع المرض، غير أن ما تركته من إرث نضالي وإنسانية يشهد لها القاصي والداني لن يغيبه الموت، وسيظل للسائلين عن حياة النبلاء دليلاً!

تغيير كنية والديها غير حياتها

ولدت أسمى خضر يوم 25 كانون الثاني من عام 1952، لعائلة من الطبقة المتوسطة، في فلسطين، وتحديداً قرية الزبابدة بمحافظة جنين، فقد ارتأت والدتها التي كانت تعيش في عمان أن تنجب بكرها (أسمى) في منزل أمها بالزبابدة، ثم انتقلت بها بعد شهرين إلى عمان، وعاشت كل طفولتها هناك.

وكان لتأثرها بوالدها الذي عمل مترجماً في الجيش الأردني أكبر الأثر في تشكيل رؤاها وتوجهاتها، فهي نتاج الكتب التي كانت تزخر بها مكتبته كما كانت تقول، فورثت عنه حب القراءة والكتابة، وهذا ما يفسر عملها في فترة من الفترات في مجال الصحافة.

كانت أول هزة و منعطف في حياتها، ولادة شقيقها سمير، فقد بدأت تسمع الناس يكنّون والديها بــ (أبو سمير وأم سمير) بعد أن كانوا ينادوهما بــ (أبو أسمى وأم أسمى)، الأمر الذي ترك في داخلها شيئاً من الغيظ، وجعلها تشعر بأن الولد أهم من البنت، فامتنعت عن الأعمال المنزلية وقصت شعرها مثل الأولاد، وصارت تنزل للشارع لمشاركتهم اللعب حتى تثبت أن لا فرق بينهما، شعر والدها بهذا التغير فناداها وشرح لها أن تغيير الكنية مجرد عادات وتقاليد وينبغي أن تتغير، وأعطاها بعض الكتب التي ساعدتها لتفهم قضايا الرجل والمرأة بصورة أعمق، و منذ ذلك الحين صارت تعتبر نفسها (محامية المرأة)، غير أنها وإن لقبت نفسها بذلك إلا أنها كانت محامية الإنسان عموماً.

ولم يكن غريباً على محامية المرأة والمستضعفين أن تدرس القانون لتمشي –أكاديمياً- في الطريق الذي اختارته لنفسها، وقتها لم يكن في عمان أي كلية تُدرّس القانون، فاختارت الالتحاق بجامعة دمشق، رغم اعتراض بعض أفراد عائلتها الممتدة مثل أخوالها وأعمامها على ذلك، فلم يكن من المقبول في ذلك الوقت أن تسافر فتاة إلى بلد آخر وتعيش بمفردها، غير أن مساندة والدها كان لها الكلمة الفصل، فسافرت إلى دمشق وعادت إلى عمان عام 1974 تحمل درجة البكالوريوس في القانون.

القضية الفلسطينية.. بداية الدفاع عن حقوق الإنسان

بدايات مسيرتها المهنية كانت في المدارس الثانوية الخاصة بعمان، وربما كانت بدايات تطبيق مبادئها بالدفاع عن المرأة أيضاً، فكانت تقف إلى جانب زميلاتها في وجه أي تعسف يمارسه المعلمون أو المدراء تجاههن، أما مبادئها بالدفاع عن حقوق الإنسان فقد سبقت دخولها الجامعة، إذ ترجمتها بشكل فعلي للمرة الأولى رداً على الغارات الغاشمة التي شنتها دولة الاحتلال على بلدة السموع  التي كانت تابعة للدولة الأردنية  مما تسبب باندلاع معركة السموع بين الجيش الأردني وجيش الاحتلال الإسرائيلي عام 1966، فخرجت للشوارع برفقة طلاب المدارس وهي على أعتاب الرابعة عشرة من عمرها، تهتف ضد الاحتلال وغطرسته.

منذ ذلك الحين، بدأت أسمى خضر في كتابة تاريخها النضالي والفدائي بالقضية الفلسطينية، فكان لها دور في العمل الفدائي بعد انخراطها في الأعمال الاجتماعية والإنسانية، فقد عملت في مجال الإسعاف، وهي تعتبر هذه المرحلة من أجمل المراحل في حياتها، خاصة وأن العمل الفدائي والمقاومة الفلسطينية كانت تتم بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة الأردنية، التي كانت تقدم المساعدة والدعم لحركة التحرر الفلسطيني، لكنها أنهت هذا العمل بانتهاء المرحلة الثانوية، ثم عادت وانخرطت فيه في إطار نقابة المحامين الأردنيين، واستمر نضالها في مجال حقوق الإنسان مع أهم المؤسسات الدولية مثل "أمنستي"، كما شغلت منصب مدير عام مؤسسة الحق الفلسطينية عامي 1996 و1997، ، ذلك أن القضية الفلسطينية بقيت على الدوام في قلب اهتماماتها.

تغير المجال ولم تتغير المبادئ

أقرب إلى خندق المعارضة، والعمل النقابي، ومؤسسات المجتمع المدني ،عاشت خضر أغلب فترات حياتها، وكانت ممن صاغوا (الميثاق الوطني) عام 1990 والذي يعتبر منعطفاً هاماً في التاريخ الأردني الحديث،  لكنها وجدت نفسها أمام واقع جديد عام 2003، حين عُينت وزير دولة-ناطق باسم الحكومة، ومن ثم وزيرة للثقافة، لتكون أول سيدة أردنية تشغل هذا المنصب، غير أنها لم ترَ أي تناقض بين خروجها من رحم المعارضة وانتقالها إلى رحم السلطة، بل اعتبرت أن قدومها من صفوف ''المعارضة الهادئة'' لا يتناقض مع حملها حقائب وزارية، لأن مفهومها للمعارضة هو أنها ''سعي لترجمة وجهات نظر في الأداء العام، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ومدنياً وسياسياً، تتسق فيما بينها ضمن رؤية معينة''.

ولم تدر وجهها لقضايا المرأة خلال وجودها في الحكومة، فقد طلبت من رئيس الوزراء مرافقتها إلى العديد من مقرات الهيئات النسائية، ورعاية المؤتمرات الخاصة بالمرأة، وخلال عضويتها في اللجنة القانونية الوزارية تم إنجاز تعديلات قانونية منها توسيع مظلة التأمين الصحي، ليسمح لأسرة المؤمنة الاستفادة من تأمينها، وإقرار نظام دور الوفاق الأسري، إضافة إلى أن حضورها أعمال اللجنة القانونية في إطار التشريع ساعد في النظر إلى التشريعات من وجهة نظر العدالة بين الجنسين.

رغم المناصب.. ظلت أسمى وحقوق المرأة والإنسان غايتها الأسمى

وبالإضافة إلى حقيبتي وزارة الدولة والثقافة، شغلت خضر العديد من المناصب، فكانت الأمينة العامة للجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، وعضو مجلس الأعيان، والرئيسة التنفيذية لجمعية معهد تضامن النساء الأردني (تضامن)، الذي جعلت منه "مرجعاً لكل تفاصيل حياة المرأة الأردنية"، فكان يصدر عنه إحصائيات وأرقام، وطرح جريء لكل ما يتعلق بالنساء والفتيات، وفيه تحدثت عما كان يعتبر محرمات، فكسرت حاجز الخوف لتصنع عالماً يدعم ويساند النساء، فهي صاحبة فضل في كل الحقوق التي أعطاها القانون الأردني مؤخراً لهن، ولطالما آمنت بأن الدفاع عن حقوق المرأة مسؤولية المجتمع بأكمله رجالاً ونساءً وليس من مسؤولية النساء فقط .

حرصها على تعزيز دور المجتمع المدني وتشاركيته في العمل كان واضحاً جداً، وكان من نتائج ذلك، انضمام جمعية معهد تضامن النساء الأردني التي كانت ترأسها إلى التحالف الوطني الأردني (جوناف) ضمن العديد من التحالفات والشركات مع المجتمع المدني المحلي والإقليمي والدولي أيضاً. وكانت تؤمن بأن من واجب المجتمع المدني تبني رؤية ومواقف سياسية تتوافق مع رؤيته نحو الاختصاص سواء في حقوق الإنسان أو المرأة أو الطفل.

كانت قريبة إلى قلوب الجميع، اختلف البعض مع أفكارها، لكنهم لم يختلفوا أبداً على نُبلها وإنسانيتها، ورغبتها الحقيقية بالتغيير، بعيداً عن الاستعراض والتكسب، ولم يغيرها منصب أو مجال انتقلت إليه، فظل الدفاع عن حقوق المستضعفين والمساواة بين الجنسين مكسبها الوحيد، وغايتها الأسمى.

رُفعت روح أسمى خضر إلى بارئها، غير أن ثوب العدالة التي كانت ترتديه لن يُرفع أبداً، سيظل حياً ماثلاً ناصعاً أمام كل من ينشد العدل والحقوق المهضومة، كأنك وأنت تتلمس سيرتها وكفاحها ستقرأ رسالة مفادها: "لن تُرفع الجلسة إلى أن تتحقق العدالة".