كيف إنجليزياتك؟!

تقضي اثنتي عشرة سنة من عمرك في المدرسة، النهج التعليمي خلال هذه الفترة يركز على مادة اللغة العربية أكثر من سواها، وحتى أولياء الأمور كانت اللغة العربية بالنسبة لهم تصل إلى مرتبة التقديس، أما باقي المواد فهي أقل أهمية، وبعض المواد كنا نعاملها على أنها حصة "مهني" (إذا أتى الأستاذ لعبنا وإذا لم يأت لعبنا أيضاً).

في المدرسة لا بد أنك سمعت عبارات كثيرة حول أهمية اللغة العربية: اللغة العربية هي الأهم والأقوى على الإطلاق، يكفي أنها لغة القرآن الكريم، لا يوجد لغة في العالم تحوي أكثر من اسم للشيء نفسه مثل اللغة العربية، فالأسد مثلاً له أكثر من 300 اسم، أبو فراس الحمداني كان يغار من المتنبي لأن لغة الأخير وشاعريته كانت أقوى، رغم أن الحمداني أمير والمتنبي من عامة الناس، لم يركز التاريخ على أحداث العصر الجاهلي بقدر ما ركز على قصيدة "أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَا" لعمرو بن كلثوم.

ثم تدخل الجامعة ومعظم تخصصاتها تُدرّس باللغة العربية أيضاً، تتخرج وتبدأ البحث عن وظيفة داخلية أو خارجية أو حتى فرصة للدراسة في الخارج، فلا تترك إعلاناً دون أن تقرأه، لكن أحلامك تتكسر على صخرة أول وأهم شرط في الإعلانات، ذلك المعني بضرورة إجادة اللغة الإنجليزية..في الواقع صاحب الإعلان اختار عبارة "إجادة اللغة الإنجليزية" تأدباً.. هو في الأصل أراد أن يكتب: "إذا ما معك إنجليزي خلي المتنبي ينفعك"، ولا ننسى السؤال الأثير الذي يطرحه عليك أي شخص قبل أن يساعدك في البحث عن وظيفة: "كيف إنجليزياتك؟!"

ولأنني أحد الذين صرفوا أعمارهم مدافعاً عن أهمية اللغة العربية، وضرورة تفعيلها في مجتمعاتنا وأعمالنا  وتعاملاتنا، إضافة إلى موقفي الواضح والصريح بدعم الرفيق عمرو بن كلثوم وعموم عشائر تغلب في حربها ضد البكريين، فقد تبين لي أن محاولاتي ومواقفي عبارة عن طحن ماء لا أكثر، فبدأت أتيقن أن المجد للغة الإنجليزية، وعلى هذا الأساس طلبت من أحد الأصدقاء المتمكنين أن يضع لي خطة تساعدني على "بطح" الإنجليزية والتغلب عليها، وكان من ضمن الخطة التي وضعها الصديق أن أحفظ يومياً عشر كلمات إنجليزية مع معانيها ثم أضع كل كلمة في جملة أقوم بتأليفها!

بدأت بتنفيذ الخطة فعلاً، أحفظ الكلمة مع معناها، أضعها في جملة مفيدة ثم أربت على رأسها وأطلب منها أن تبقى جالسة على الأريكة ريثما آتي بكلمة جديدة تجلس إلى جانبها، أذهب إلى الكلمة الأخرى وأفعل معها الأمر نفسه، لكنني حين أصطحبها للجلوس في المكان المخصص أجد الكلمة الأولى قد هربت من مكانها، فابدأ البحث عنها تحت المقاعد والطاولات، وكما يفعل الشعراء أتوهم أنني نسيت باب البيت مفتوحاً فهربت إلى الشارع، وطبيعي جداً أن أسأل المارة: (شفتوا كلمة لابسة انجليزي) فلا يجيبني أحد، عندها فقط أترك الخطة وأشتم الصديق الذي وضعها، ثم أعود إلى عمرو بن كلثوم وأردد معه بزهوٍ لا مثيل له: وَنَحْنُ التَّارِكُوْنَ لِمَا سَخِطْنَـا ... وَنَحْنُ الآخِـذُوْنَ لِمَا رَضِيْنَـا.