بشراك يا إبراهيم، فقد استفاق العرب!

في بطولة كأس العرب التي تستضيفها قطر، لم أهتم بتنظيمها الخرافي، ولا يعنيني الفائز والخاسر في البطولة، فكلنا خاسرين طالما أن اهتماماتنا وغيرتنا ووطنيتنا انحصرت بكرة القدم، بينما نغض الطرف عن انتهاكات دائمة يمارسها الكيان الصهيوني الهزيل في فلسطين، ونتغاضى عن حلقات التطبيع المستمرة معهم بحيث نسلمهم شيئاً فشيئاً رقابنا وأوطاننا، ولا نبالي بأننا صرنا أمة تابعة، يقرر الآخر مصيرها وليس لها من الأمر شيء، جل ما استوقفني هو ذلك التراشق والمماحكات على الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي بين الشعوب العربية قبل وأثناء وبعد كل مباراة، بحيث تشعر أن أي مباراة هي مسألة حياة أو موت، وأن الخسارة بالنسبة للعربي أكثر وجعاً من خسارتنا باحتلال فلسطين، وتمزق العراق، وانشطار اليمن، وقصقصة الخارطة السورية، والدم العربي المراق يومياً على عتبات بيوتنا!

لست ضد الرياضة، بل العكس أنا من متابعيها ومحبيها، وأؤمن -بعيداً عن فوائدها الجسدية والنفسية- أنها جاءت لتهذيب النفوس، والمتعة لا أكثر ولا أقل، لكن أن تصبح بطولة كأس العرب قضيتنا المحورية، وغايتنا والمراد، وأن تختزل الوحدة العربية باجتماعنا فيها، وأن تتحول لما يشبه الحرب فهذا محزن ويدمي القلب!

كنت أتمنى أن يتحد العرب في ميدان القضية الفلسطينية، التي يتراجع الاهتمام فيها بطريقة محزنة، كنت أتمنى أن يقف العرب كالبنيان المرصوص -مثلما يقف حائط الصد-  أمام خصمهم الذي احتل أرضهم وسامهم الخسف، وما زال ينظر بعين الطمع إلى ما تبقى من خيرات بلدانهم ، كنت أتمنى أن يكون دفاعنا المستميت في وجه الشباك التي ينصبها لنا أعداء العروبة، ويقع ضحيتها المزيد من الفقراء واللاجئين، وليس عن شباك حراس المرمى، كنت أتمنى لو كان لدينا نفس الاهتمام بتسجيل الأهداف في مرمى من سفهوا أحلامنا ودمروا أوطاننا وتركونا أحزاباً متفرقة، كل حزبٍ بما لديهم فرحون، بدلاً من الاهتمام بتسجيل الأهداف في مرمى بعضنا البعض، بالمناسبة؛ تسجيل الأهداف في مرمى بعضنا البعض لا يقف عند الرياضة فقط، نحن نسجل الأهداف في أنفسنا بكل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بينما يقف الخصم الذي نصبناه حكماً مسروراً من ذلك!

والشيء بالشيء يذكر، كان الشاعر والكاتب إبراهيم اليازجي من أشد المدافعين عن استقلال العرب، ووحدتهم في وجه استبداد الدولة العثمانية في تلك المرحلة، ويروى أنه في سنة 1883 عُلّقت على جدران البيوت في بيروت قصيدة دون توقيع صاحبها، وردت فيها هذه الأبيات:

تنبهوا واستفيقوا أيها العرب

فقد طغى الخطب حتى غاصت الركب

فيم التعلل بالآمال تخدعكم

وأنتم بين راحات القنا سلب

الله أكبر ما هذا المنام فقد

شكاكم العهد واشتاقكم الترب

فشمروا وانهضوا الأمر وابتدروا

من دهركم فرصة ضنّت بها الحقب

أثرت القصيدة كثيراً في قرائها، و"قامت قيامة" والي بيروت، حيث أرسل جنده يبحثون عن صاحبها، لكنهم لم يجدوه، وظلّ قلة من العارفين ينسبونها إلى اليازجي، الذي كان يرى أن علّة العرب هي خمولهم عن طلب العلم والفكر، وأن جهلهم أساس فرقتهم وشقاقهم، والسبب في تسلّط الأمم الأخرى عليهم.

بشراك يا إبراهيم: ها هم العرب قد استفاقوا وشمروا ونهضوا، وها هي كرة القدم تجمعهم لحظات، ثم تفرقهم من جديد، وقد زادت بينهم العداوة والبغضاء !