"التطبيع بين الرد والردع".. ما هي الوسائل المتاحة للرد على انتهاكات دولة الاحتلال ضد الفلسطينيين ومحاولة قمعهم؟

 في ظل موجات التطبيع العربية المتنامية خلال السنوات الأخيرة، وما يتبعها من قمع واضطهاد وممارسات متطرفة تمارسها دولة الاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني، وفي ظل المحاولات المستمرة لإقناع الشعوب العربية بالتسليم بالامر الواقع، وأنه ليس أمامهم حلول لتغيير المعادلة، ربما يكون أفضل ما نفعله أن نذكرهم دائماً بأن أمامهم الكثير الكثير، فالكلمة أكثر تأثيراً من الصمت، والمقاطعة خير من التطبيع وأفضل أثراً، والإيمان بعدالة القضية الفلسطينية ونصرتها يبقيها على سلم أولويات الحق.

من هذا المنطلق، وفي إطار برنامج القضية الفلسطينية، جاءت الندوة الرقمية التي عقدتها منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) بعنوان "التطبيع بين الرد والردع" ضمن سلسلة حوارات فلسطين في العمق، و شارك فيها كل من المتحدث الرئيسي عمر البرغوثي، المؤسس المشارك لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)؛ و د. أنيس قاسم، محام دولي مقيم في عمان، ورئيس تحرير كتاب فلسطين السنوي للقانون الدولي؛ ورومانا روبيو، الكاتبة الإيطالية ومديرة التحرير في The Palestine Chronicle، بحضور عدد من المهتمين والمختصين. منتقداً تناقض الغرب في التعامل مع دولة الاحتلال، بدأ عمر البرغوثي حديثه، مؤكداً أنهم ينظرون إلى الكيان الإسرائيلي على أنه ديمقراطي ويحترم حقوق الآخرين، بينما نرى العنف الذي يمارسه هذا الكيان على أجيال تلو الأخرى، وهذا يفقدهم إنسانيتهم.

تسعى حركة الـ(BDS) وهي حركة فلسطينية ذات امتداد عالمي لتحقيق الحرية والعدالة والمساواة، وتعمل من أجل حماية حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ويقول البرغوثي إن هناك عدداً من الأشخاص الذين يقررون لأسباب مختلفة دعم هذه الحركة دون أن يعلنوا عن هوياتهم خوفاً مما سيترتب عليهم، ففي ألمانيا وأميركا وبريطانيا وفرنسا قد تفقد وظيفتك إذا أعلنت دعمك لنا، وبالتالي هذه الديمقراطية لديها مشكلة بما يتعلق بالاضطهاد إذا كنت فلسطينياً أو تدعم حقوق الفلسطينيين. مضيفاً "نحن لا نطلب من الناس أن يضحوا بمسارهم المهني من أجل فلسطين، بل نريدهم إكمال هذا المسار، وبإمكانهم دعمنا من خلال ما يسمى بالعمل الصامت وهو فعال جداً".

تعرضت أنشطة الـ(BDS) لتجريم متزايد في أوروبا وفقاً للبرغوثي، حيث بدأ في فرنسا التي حاولت تجريم مقاطعة المنتجات الصهيونية، وتم اعتقال ناشطين من الحركة بموجب احكام المحكمة، غير أنهم ذهبوا للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وانتصروا انتصاراً مؤزراً عام 2020، بعد أن قالت إن المحكمة الفرنسية اخترقت حقوق الإنسان، وأن دعوة الحركة لمقاطعة بضائع الكيان الإسرائيلي لا تعتبر تمييزاً أو عنصرية، وإنما نضال سياسي لإحقاق الحقوق المذكورة بالاتفاقيات الدولية.

وحول محاولة تجريم الحركة واضطهادها يضيف البرغوثي "في ألمانيا يعتبروننا مناهضين للسامية، لكننا نفوز في المحاكم ونفوز بمحكمة الرأي العام وهذا هو المهم"، وفي العموم فإن البرغوثي يعتبر أن أوروبا شريكة في جرائم دولة الإحتلال ضد الفلسطينيين مثل أميركا التي تدعمهم منذ عقود، لكن الفرق أن أميركا تدعم بالعلن، وأوروبا تدعم بقناع مزيف، وإلا كيف نفسر العقوبات التي فرضها الإتحاد الأوروبي على الكثير من دول العالم، بينما لم يفرض أي عقوبات على الكيان الإسرائيلي؟

وختم البرغوثي "في أي نضال علينا التفكير بشكل استراتيجي وأن نتحلى بالصبر، وفي هذا النضال بالذات ضد دولة الاحتلال نحتاج إلى فعل وصبر كبيرين، فعلى سبيل المثال كان تنظيم المسيرات في الأردن ضد التفاهم الأخير مع الكيان الاسرائيلي بطولي جداً، وبعد عقود من كامب ديفيد وغيرها من إتفاقيات التطبيع العربية، نستطيع القول إنهم لم ينجحوا في جر الشعوب العربية للقبول بالأمر الواقع والاعتراف بدولة الإحتلال التي لا تحظى بحب المجتمع المدني".

وحول ازدواجية المعايير الأوروبية أيضاً، جاءت مداخلة روبيو، حيث أكدت أن الاتحاد الأوروبي يدين العنف الذي استخدمته دولة الاحتلال ضد غزة، ثم يشتري منهم الأسلحة والتكنلوجيا، فهم يدعمون حقوق الإنسان ويحاربون القرارات التي تدعم الفلسطينيين، مؤكدة أن الإتحاد الأوروبي سوق كبير لمنتجات دولة الاحتلال، وفي العام الماضي بلغ حجم التبادل الاقتصادي بينهما 31 مليون يورو.

وتعتقد رومانا أن محاولات الضغط من أجل التطبيع أثرت على سلوك المجتمع الدولي تجاه الاحتلال، خاصة بعد الاعتداء الأخير على غزة وما حدث في القدس، حيث نجح المناضلون الفلسطينيون على الأرض أو حتى الناشطين الفلسطينيين حول العالم، بتغيير وجهة النظر العامة ضد الكيان الإسرائيلي بعد أن فضحوا ممارساته وانتهاكاته ضدهم.

أما الدكتور قاسم، فعاد لتاريخ ظهور الحركة الصهيونية معتبراً أنها جاءت عندما بدأت أوروبا بتعديل قوانينها لقبول اليهود كأفراد في جوانب متساوية مع المجتمعات المسيحية في أوروبا، فانطلقت الحركة الصهيونية كونهم يعتبرون أنفسهم أفضل من غيرهم.

وحاول قاسم تدعيم هذه النظرة التاريخية بإسقاطها على الواقع الحالي، مؤكداً أن كل إتفاقيات التطبيع بين الكيان الإسرائيلي والدول العربية تميل لصالحهم من حيث الأفضلية، وخير مثال على ذلك أن دولة الاحتلال كانت تحتل سيناء وبعد كامب ديفيد احتلوا القاهرة حرفياً، لأن مصر لم تستطع إرسال أي دبابة إلى سيناء، ولم تمر سفينة من قناة السويس دون موافقة دولة الاحتلال، وهذا ينسحب على كل اتفاقيات العرب مع الكيان الاسرائيلي.

ويرى قاسم أن الـ (BDS) لها أخلاقيات عالية وهي أداة شرعية ومتحضرة للدفاع عن النفس بدلاً من استخدام الأسلحة المدمرة للبشر، ونحن نحتاج مثل هذه الحركات بعد أن صارت قوانين المقاطعة في أغلب الدول العربية حبراً على ورق منذ توقيع إتفاقية كامب ديفيد.

بدأ احتلال العقل العربي قبل ظهور القضية الفلسطينية، هذا ما تؤكده لميس أندوني التي ترى في هذا النوع من الاحتلال أداة أساسية يستخدمها المستعمر ليشعرك بأنك عاجز، وعليك تقبل الأمور، وعلى الرغم من ذلك فإن معظم المسوحات بينت أن غالبية الشعوب العربية تعتبر الكيان الاسرائيلي قوة محتلة وعدوة لها وليس فقط للفلسطينيين.

تضيف أندوني "بالرغم من اختلاف الآراء بين الحكومات العربية، فإنهم يحاولون دعم دولة الاحتلال وإقناع شعوبهم بأن ليس أمامهم الكثير ليقوموا به، ومن هنا تأتي أهمية الـ (BDS) التي تحاول إقناع الشعوب أن باستطاعتهم التغيير".

"النضال ضد التطبيع في العالم العربي يكون أكثر صعوبة منه في أوروبا" بحسب الإعلامية لميس أندوني، والتي أكدت بمشاركتها أن الناس هنا تخاف من تدخل الأجهزة الأمنية، ولا تريد أن تدفع ثمناً باهظاً، وواجبنا أن نبين لهم ما الذي عليهم القيام به، خاصة وأن الحكومات العربية تقدم التطبيع على أنه هدية لشعوبها والحل لكل مشاكلهم.

كانت الجلسة بمثابة تأكيد من منظمة النهضة (أرض) على أنها تضم صوتها إلى صوت الجهات الفاعلة الفلسطينية في دعوتها للدول والجهات الفاعلة المشاركة في المشاريع والمبادرات في فلسطين المحتلة ودولة الاحتلال وحتى دولياً للامتناع عن "التطبيع"، دون فضح واعتراض صريح لسياق الاحتلال الإسرائيلي وجميع أشكال التمييز والقمع ضد الشعب الفلسطيني، وكما قالت مديرة الجلسة فرانشيسكا ألبانيز، منسقة برنامج قضية فلسطين في منظمة النهضة (أرض) " لا نريد إغلاق المنصات التي تستخدمها الأصوات الفلسطينية لإيصال قضيتها".