عبد الرحمن الأبنودي.. "الخال إلي الناس ما نسيتهوش!"

"...من المعروف أني لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب، بل كنت يومياً أقرب للموت مني للحياة، ومع أني كنت ألامس ذلك الموت في كل لحظة بسبب ضعفي الصحي الشديد وضيق ذات اليد الواقع من حولي عن ضخ أسباب النمو والمواصلة في بدني الهزيل، إلا أنني عشت حياة لم يعشها الأصحاء. استمتعت بطفولتي على عكس كل أبناء المدن الذين يحملهم الباص صباحاً إلى المدرسة، ويحملهم في العودة إلى شقق أهاليهم، يرون الواقع من خلف زجاج الأوتوبيسات ولا يتعاملون مع الحياة الحقيقية للبشر."

أما قبل؛ فإن السطور أعلاه مقتبسة من كتاب "أيامي الحلوة" لـ "عبد الرحمن الأبنودي"، أحد أبرز شعراء العامية في العالم العربي، وأول شاعرعامية مصري يحصل على جائزة الدولة التقديرية عام 2001، و "الخال" كما يحب المصريون مناداته، وهي تفسِر على نحوٍ ما غلبة الشقاء والحزن على معظم أشعاره، وتؤكد من جديد أن الحرمان والفقر غالباً ما يكونا الأبوين الشرعيين للإبداع.

أما بعد؛ فإن الحديث عنه يحتاج مجلدات ومجلدات، ولن تحيط السطور بحياة الأبنودي الكهل، والأبنودي الذي قال إنه عاش حياته كطفل، والأبنودي المتمرد، والعاشق، داعم الثورة أحياناً، وداعم السلطة أحياناً، عاش حياته محباً لوطنه وناسه، وأوصاهم قبل موته قائلاً "متنسونيش، ولا عايز أتلّف في علم ولا ملاية، عايز أرحل من بره بره كده".

"فاطنة جاها الطلق يا ولاد"

ولد عبد الرحمن الابنودي في قرية أبنود بمحافظة قنا في صعيد مصر، لأب كان يعمل مأذوناً شرعياً وهو الشيخ محمود الأبنودي،  وسيدة جنوبية  تدعى فاطمة قنديل، وكانت "فاطنة" كما يحب عبد الرحمن أن يناديها، قد حلمت أثناء حملها فيه بأنها رأت "حمارة ولدت جحشاً رفيعاً عليلاً"،  وظلت طوال حملها تحاول الحفاظ على هذا الجنين، وفي ليلة الحادي عشر من أبريل عام 1938 حان موعد قدوم الطفل المنتظر.. "فاطنة قنديل جاها الطلق يا ولاد.. ".. هكذا تحدث الخال عبد الرحمن الأبنودى عن مولده.

واستكمل الأبنودي حكايته عن مولده قائلاً "لكن ما عكّر صفو الفرحة بالمولود هو ضعف بنية الطفل، وهذا ما جعل فاطمة تحزن وقال لها المقربون منها: "شدي حيلك شكله ملوش عمر، العيل ضعيف أوي يا فاطمة"، لكن كان لدى فاطمة إيمان بي منذ ولادتي، وأخذت تتضرع إلى الله أن يحفظ لها ذاك الطفل الأسمر الجميل.. تعذّبت معي في الصغر، فكانت تخاف أن تتكسر لذلك كانت تربط ركبتاي بأشرطة من القماش، كي تحافظ علي".

"من كاتب في المحكمة إلى كاتب للشعر.. فرخ البط عوام"

يروي الكاتب والناقد الصحفي جريس لويس، قصة انتقال الأبنودي من عمله عندما كان كاتباً في المحكمة إلى كتابة الشعر قائلاً "كانت محكمة الأسرة بمحافظة قنا تزدحم بقضاياها، عندما جاءت سيدة تطالب بإلزام زوجها بدفع نفقة شهرية لها ولأولادهما بعد أن تركهم وارتبط بأخرى، قرأ القاضي تفاصيل القضية وملابساتها وسمع السيدة، ثم حدد قيمة النفقة ورُفعت الجلسة، حينها صرخ فى وجهه الأبنودى (كاتب الجلسة) قائلا "يعملو إيه القرشين دول يعني.. إنت عايز الست تمشى فى البطّال ولا إيه؟".
كان المبلغ الذى أقره القاضي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يكفي لشراء "العيش الحاف"، ومع ذلك انفعل القاضي وقال للأبنودي "إنت اتجنيت ولا إيه.. أنت قلم المحكمة، يعني لازم تكتب اللي بقوله من غير نقاش".

لم يسكت الأبنودي بل رد على القاضي قائلاً "أنا عقلت مش اتجنيت، سلام عليكم" ومنذ ذلك الحين ترك الأبنودي قاعة الجلسة وتقدم باستقالته من عمله، ليشق طريقه نحو العاصمة مسلحاً بطموح كبير في أن يصبح شاعراً معروفاً، ويسير على درب أبيه الذي أصدر ديواني شعر يتحدثان عن الفقر وهموم الناس، والفلاحين والرعاة.

"الشجرة المظللة التي أدين لها بالأبنودي كله"

كان الأبنودي يتباهى بانتمائه لوالدته أكثر من انتمائه لوالده مردداً "أنا ابن فاطنة قنديل"، واستلهم منها الكثير من أشعاره وأغانيه، فعلى الرغم من أميتها علمته الشعر، فقد كانت بالنسبة له كنزاً كبيراً وموسوعة في تاريخ الصعيد وفلكلوره الغنائي، لم يدن لها بالشعر فقط، بل قال عنها "أمي الشجرة المظللة التي أدين لها بالأبنودي كله".

كانت حاضرة في كل أشعاره، عندما يتحدث عن الحنين، أو عندما يصف الأنين، في حله وترحاله، في غضبه وصلاح باله، وما زالت قصيدة رثاءها حاضرة يتداولها كل من فقد أمه، تلك التي قال فيها:

 

وأمي.. والليل مليّل
طعم الزاد القليّل
بترفرف.. قبل ترحل
جناح بريشات حزانى
وسددت ديونها
وشرت كفن الدفانة
تقف للموت يوماتي:
مجاش ابن الجبانة
أشد ف توبها يمى
تنهر كإنى عيل
القلب اللى تحجر
قوَّال.. بطَّل يموِّل
لا الحزن عاد يبكِّى
ولا الأحلام تنوِّل

"بلدنا للنهار يا يامنة"

بالإضافة لشعره عن أمه، لمع اسم الأبنودي في قصيدة رواها على لسان عمته "يامنة" وحملت اسمها، وهي واحدة من أروع وأعمق القصائد التي تسخر من الحياة، وتعظّم قيمة الموت إذا كان فيه خلاصاً من التعب، يقول فيها:

أول مايجيك الموت.. افتح

أول ماينادي عليك.. إجلح

إنت الكسبان

إوعى تحسبها حساب.!!

بلا واد.. بلا بت..

ده زمن يوم مايصدق.. كداب.!!

سيبهالهم بالحال والمال وانفد

إوعى تبص وراك

الورث تراب

وحيطان الأيام طين

وعيالك بيك مش بيك عايشين

لكن إبداع الأبنودي وشهرته تجليا من خلاله قصائده التي غناها كبار فناني الوطن العربي، ولاقت قبولاً واسعاً لدى الناس، سواء عبد الحليم حافظ الذي غنى من شعره "وأنا كل ما أقول التوبة" و"الهوى هوايا" و "أحلف بسماها وبترابها" وغيرها، أو شادية التي غنت له "آه يا أسمراني اللون"، أو نجاة الصغيرة في أغنية "عيون القلب"، أو صباح في أغنية "ساعات ساعات"، وغيرهم.

إلا أن أغنية "عدى النهار" التي غناها عبد الحليم حافظ هي أكثر الأغاني التي نستحضرها اليوم في ذروة اليأس المنتشرة في عالمنا العربي، تلك الأغنية التي كتبها الأبنودي بعد نكسة حزيران عام 1967، حين لم يكن أحداً يجرؤ أن يقول هناك أمل ونهار جديد، إلا أن الأبنودي كتب يقول:

أبداً بلدنا للنهار

بتحب موال النهار

لما يعدي بالدروب

ويغني قدام كل دار

مات الأبنودي يوم 21 نيسان/أبريل عام 2015، وحتى اليوم الناس "ما نسيتهوش"، ذلك أن سطوة أشعاره أكثر شراسة وحضوراً من سطوة النسيان".