عن غياب سيدة الحضور

إلى أمي مع خالص الاشتياق، والحنين الذي لا يطاق

 

لو تعرفين كم يوجعني غيابك!

طواني كطي السجل للكتب، والحزن غَلَّقَ عليّ الأبواب وقال: "هيت لك"، كلما حاولت الهروب منه يسبقني إلى الباب.. أهِمُ به ويهمُ بي لكنه الغالب دائماً.. ها قميصي قَد قُد من دُبر ومن قُبل، أنا البريء ما حييت، والمُذنب في كل آن، وغيابك البئر والذئب والسجان، لم تكن "السبع العجاف" مجرد حلم.. تلك ساعة تمر من دونك، أما من عام يغاث به قلبي وتستخلصيني لنفسك من جديد ؟!

 

لو تعرفين كم يوجعني غيابك !

أسنان الفك تضحك أحياناً، لكن أسنان القلب عابسة أبداً، والأوجاع تشابهت علي فلم أعد أميز بين وجعي العضوي ووجع غيابك يا كل قلبي.. صرت أشعر أنني أعيش في الصين: أرى وجهك في كل الوجوه، وأسمع نغمة اسمك في كل الأسماء، وما يقربوا وجهكِ ولا يُدانوا اسمك ولكن شُبه لي!

 

لو تعرفين كم يوجعني غيابك !

لكأنني أحمل جبالاً على ظهري حين أرى أحدهم يحيطني بمحبة صادقة، فأقف عاجزاً عن مبادلته المحبة بمثلها، والاهتمام بأحسن منه، فمشاعري كلها استنزفت معك، ومفرداتي كلها قيلت في حضرتك، وساعة عمري كلها توقفت عندك، أقرضيني جزءاً من مشاعري، تكرمي علي ببعض مفرداتي، أو ردي إلي شيئاً من عمري الذي ذهب من بعدك حسرات!

 

لو تعرفين كم يوجعني غيابك !

حين غبتِ قلت: "سآوي إلى جبل يعصمني من طوفان الغياب"..

ما كنت أعرف أن لا عاصم من فراقك.. وأن الجبال (حتى الجبال) أشفقن من حمل هذا العذاب !