تطبيع وراء تطبيع.. عن احتلال إرادة الشعوب مجدداً

قد يبدو حديثي لمن يحمل سيف العزة مؤسفاً، إقراراً بحادثة حصلت معيّ شخصياً قبل سنتين، حينما طلبت مني قناة عربية معروفة العمل لديها كمراسل صحفي في الأردن، لتعاود هذه القناة بعد أيام إخباري بعدم القدرة على التعاون فيما بيننا، بحجة أنني كتبت منشوراً فيما سبق أصفهم به دولتهم بالمطبعين، وأنه يخالف سياسات الدولة وتوجهاتها!

هذه حادثة فردية، فكيف لي أن أتفهم من يخالف قناعات أغلب فئات الشعب برفضهم تطبيع حكوماتهم مع هذا الكيان؟ كما في قصة تسارع الدول العربية بتوقيع معاهدات مع الكيان الصهيوني، وآخرها اتفاقية "الكهرباء مقابل الماء".

لا يمكن لي ولا للناس تفهم لجوء أي دولة عربية بتوقيع مثل هذه المعاهدات مع كيان سلبنا أراضينا وحقوقنا وشرد الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني المقاوم في فيافي الأرض، بل وتربع على عرش الدمار والفوضى والخراب!

ولا يمكن لي أيضاً، أن أسامح من ترك أبناء جلدتي، أبناء الشعب الأردني والفلسطيني، يدافعون وحدهم عن حقوقهم وكرامتهم في هذا العالم الموحش. فحجم المعاناة ومحاولات انتقاص وجودهم ورأيهم عندما يتضامنون بوجه أي محاولة للتطبيع كبيرة، ولن تهدأ ما دام هناك كياناً يحاول مسحنا عن هذا الوجود!

متى يفهم أصحاب التطبيع اليومي والمالي ومن يحبون "متعة اللحظة"، أن الحرية والنضال هما أساس محور هذا الكون؟ هل يعني ذلك أننا تأخرنا إلى درجة أن صار الحديث عن التطبيع أمراً مستهجناً ولغة عصية عن الفهم؟ وهل استفحلت الهزائم في قلوبنا فصار الاحتلال بموجب ذلك عادياً ومقبولاً؟

تشاغلني هذه الأسئلة في كل صفعة أتلقاها من العرب أنفسهم، الذين يحاولون بشتى الطرق مسح الذاكرة والتاريخ عند أجيال وضعت دمها على كفها، وما تزال نداً قوياً أمام عدوٍ غاشم، يحاول سلب هويتنا وعقولنا وأرواحنا!

وتسألني لماذا أكره التطبيع والمطبعين؟! كرد إنساني وإثبات على حق الإنسان بإنسانيته، تأتي المقاومة لمواجهة التطبيع، تأتي رداً على واقع وحاضر مادي وفكري وثقافي ومعنوي. فلا حياد إنساني تجاه العدوان، أي عدوان كان.

رفض التطبيع ومناهضته، يفند السيناريو الأفضل للعدو الصهيوني المتمثل بالاندماج في الوطن العربي، لذا؛ علينا التفريق بين كون مناهضة التطبيع واجب، وبين الفرصة التي سنحت للعدو بأن يتمادى في تخريب وعينا، وتفكيكناً نفسياً بما يقارب عدم القدرة على تجميع الذات!

ما تزال مناهضة التطبيع تحبو، وكثيرون يحرضون ضد التطبيع بخجل، ما ينم عن ضعف استيعاب وإدراك أهمية المقاومة خصوصاً بين الأوساط الثقافية والسياسية والشعبية، وهو ضعف ينطبق على كل مواطن عربي.

 

إن الالتزام والاستمرار الشعبي والحراك المدني والحقوقي بالمقاطعة والمقاومة، وحده الذي يرغم الأنظمة على تغيير مواقفها، والاصطدام بقوة مع ما يفرضه هذا العدو الغاصب.. فإرادة الشعوب لا بد أن تنتصر مهما علت الأموال والعلاقات المشبوهة.

هناك من يحقنون "عضلات" الاحتلال بالتطبيع، وهناك من يحقن جرائم الاحتلال بالصمت.. كم كنا ساذجين حينما توهمنا أن ضميراً حياً ما يزال يسري في عروقهم!

"...أقلب الغريب كقلب أخيك؟ أعيناه عينا أخيك؟ وهل تتساوى يد سيفها كان لك، بيدٍ سيفها أثكلك؟ لا تصالح!"