جيلكم شو شاف؟!

أنا من جيل الثمانينات، موديل عام 1987 تحديداً، بُعثت والانتفاضة الفلسطينية الأولى معاً، وهذا ما يفسر على نحوٍ ما جنوحي وجنوح جيلي للثورات، وحبنا للحرية أينما ثقفناها، لم نشهد نكبة فلسطين ولا نكستها، لكننا ورثنا هزائم أجدادنا وآباءنا فيها، وليت الأمر توقف على تركة الهزائم فقط، بل أورثونا مِنّة أنهم شهدوا تلك الأحداث ولم نشهدها نحن، مرددين على مسامعنا سؤالهم الاستنكاري البغيض "جيلكم شو شاف؟" كلما حَزَّ بنا أمر فتبرمنا منه، كأنهم يظنون أن القضية الفلسطينية مثل "علبة فول" ثمة تاريخ انتهاء لمرارتها، ولا يعرفون أننا أكثر حنقاً منهم عليها، ذلك أننا نعيش ويلاتها وانكساراتها حتى وإن لم نشهد هزائمها، إنها الهزائم التي بطريقة مضحكة صاروا يمتازون علينا بأنهم شاركوا فيها وصنعوها ولم نساهم نحن في هذه الصناعة العظيمة!

ربما مات السواد الأعظم من أجداد وآباء أبناء جيلي، ولو كانوا بيننا اليوم لكنا أحق بالتقليل من مشاكلهم وهمومهم مقارنة بمشاكلنا وهمومنا، فإذا كان جيلهم قد عاش نكبة فلسطين ونكستها فقط، عشنا نحن ضياع الوطن العربي من النكبة إلى النكسة، ومن الدم المستباح، إلى المذلة والانبطاح، خذها من سوريا التي وصلت حداً من الدموية عجزنا معه عن تمييز الخيط الأبيض من الأسود حين لم يعد فجرها يظهر، مروراً بالعراق الذي يبرأ من فتنة فتعاجله فتنة أكبر، بحيث صار نخيله (حتى النخيل) يُنبت طائفية، هنا اليمن حيث صار الوجع يماني ولم تعد الحكمة يمانية، وهناك لبنان حيث تمشي الحسرة مع الناس جنباً إلى جنب، أيا مصر ويا تونس وليبيا والسودان من ذا أصابكم بالعينِ.. ألم تكونوا زماناً قرة العينِ؟! أما اتفاقيات التطبيع والسلام مع عدو الأمس الذي صار اليوم حبيباً فحدث ولا حرج، أو ارمِ بنفسك من أعلى الدرج!

نحن جيل العاجل.. "مئات القتلى وآلاف المصابين..." وجيل القلاقل، بحيث لم نعد يميز بين الباطل والحق المبين، نحن الجيل الذي صار زواجه ضرباً من الأحلام، وتحقيق متطلبات أسرته أضغاث آمال، نحن الجيل الذي سيصرف له الأطباء "مُدرات البول" وهو ما زال في مرحلة "بكوِّن حالي"، نحن الجيل الذي نشأ على قصص الأمهات المرعبة "جبينة والغول"، و"أبو رجل مسلوخة"، و"أمي الحنونة"، وهذه الأخيرة ستظن من عنوانها أنها قصة خالية من الرعب، لكنها تروي سيرة زوجة أوصت زوجها بأن يقطع يدها حين تموت، فيعطيها لمن سيتزوجها من بعدها لتضرب فيها أولادها، الغاية من القصة إظهار حنو الأم، لكن النتيجة أننا كنا نسمعها في طفولتنا فينقطع نومنا فزعاً أو ربما تضامنا مع يد الأم التي قُطعت، حتى أنني أستذكرها الآن وما زال في القلب آثار ذُعر!

نحن الجيل الذي أمسك عن الأحلام معتبراً أنها رجسٌ من عمل النصيب العاثر!

أنا من جيل الثمانينات، موديل عام 1987 تحديداً، بُعثت والانتفاضة الفلسطينية الأولى معاً، وهذا ما يفسر على نحوٍ ما جنوحي وجنوح جيلي للثورات، وحبنا للحرية أينما ثقفناها، لم نشهد نكبة فلسطين ولا نكستها، لكننا ورثنا هزائم أجدادنا وآباءنا فيها، وليت الأمر توقف على تركة الهزائم فقط، بل أورثونا مِنّة أنهم شهدوا تلك الأحداث ولم نشهدها نحن، مرددين على مسامعنا سؤالهم الاستنكاري البغيض "جيلكم شو شاف؟" كلما حَزَّ بنا أمر فتبرمنا منه، كأنهم يظنون أن القضية الفلسطينية مثل "علبة فول" ثمة تاريخ انتهاء لمرارتها، ولا يعرفون أننا أكثر حنقاً منهم عليها، ذلك أننا نعيش ويلاتها وانكساراتها حتى وإن لم نشهد هزائمها، إنها الهزائم التي بطريقة مضحكة صاروا يمتازون علينا بأنهم شاركوا فيها وصنعوها ولم نساهم نحن في هذه الصناعة العظيمة!

ربما مات السواد الأعظم من أجداد وآباء أبناء جيلي، ولو كانوا بيننا اليوم لكنا أحق بالتقليل من مشاكلهم وهمومهم مقارنة بمشاكلنا وهمومنا، فإذا كان جيلهم قد عاش نكبة فلسطين ونكستها فقط، عشنا نحن ضياع الوطن العربي من النكبة إلى النكسة، ومن الدم المستباح، إلى المذلة والانبطاح، خذها من سوريا التي وصلت حداً من الدموية عجزنا معه عن تمييز الخيط الأبيض من الأسود حين لم يعد فجرها يظهر، مروراً بالعراق الذي يبرأ من فتنة فتعاجله فتنة أكبر، بحيث صار نخيله (حتى النخيل) يُنبت طائفية، هنا اليمن حيث صار الوجع يماني ولم تعد الحكمة يمانية، وهناك لبنان حيث تمشي الحسرة مع الناس جنباً إلى جنب، أيا مصر ويا تونس وليبيا والسودان من ذا أصابكم بالعينِ.. ألم تكونوا زماناً قرة العينِ؟! أما اتفاقيات التطبيع والسلام مع عدو الأمس الذي صار اليوم حبيباً فحدث ولا حرج، أو ارمِ بنفسك من أعلى الدرج!

نحن جيل العاجل.. "مئات القتلى وآلاف المصابين..." وجيل القلاقل، بحيث لم نعد يميز بين الباطل والحق المبين، نحن الجيل الذي صار زواجه ضرباً من الأحلام، وتحقيق متطلبات أسرته أضغاث آمال، نحن الجيل الذي سيصرف له الأطباء "مُدرات البول" وهو ما زال في مرحلة "بكوِّن حالي"، نحن الجيل الذي نشأ على قصص الأمهات المرعبة "جبينة والغول"، و"أبو رجل مسلوخة"، و"أمي الحنونة"، وهذه الأخيرة ستظن من عنوانها أنها قصة خالية من الرعب، لكنها تروي سيرة زوجة أوصت زوجها بأن يقطع يدها حين تموت، فيعطيها لمن سيتزوجها من بعدها لتضرب فيها أولادها، الغاية من القصة إظهار حنو الأم، لكن النتيجة أننا كنا نسمعها في طفولتنا فينقطع نومنا فزعاً أو ربما تضامنا مع يد الأم التي قُطعت، حتى أنني أستذكرها الآن وما زال في القلب آثار ذُعر!

نحن الجيل الذي أمسك عن الأحلام معتبراً أنها رجسٌ من عمل النصيب العاثر!

لكننا رغم الأسى، سنظل نحاول حتى نمسح النكسات والنكبات عن جبين أمتنا، فلا يمكن لصبرنا وقهرنا أن يذهبا سدى، نحن الإصرار والانتصار مهما طال المدى.