الضمان الاجتماعي في العالم العربي.. نحو شموليته والتأكيد عليه دستورياً

شاع مصطلح الضمان الاجتماعي كثيراً في العقود الأخيرة، وزاد الحديث عنه والتأكيد على أهميته في ظل جائحة كورونا التي أثرت على الكثير من الأسر، وخلقت طبقة جديدة كاملة من الفقراء، و عطلت مصالح العمال والمنشآت وجعلت الكثيرين منهم بلا عمل، لكن مصطلح الضمان الاجتماعي وفكرة الحماية الاجتماعية ليسا جديدين، ففي أوروبا مثلاً بدأت إغاثة الفقراء في القرن السادس عشر، بهدف معالجة نسبة الفقر والإقصاء الاجتماعي نتيجة الثورة الصناعية والتمدن، وبدافع الخوف من الاضطرابات الاجتماعية المنبثقة عن الثورة الفرنسية والسعي لوقف الهجرة إلى المدن.

 

الفكرة عربية بالأساس

أوروبا لم تبتدع فكرة الضمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية، فقد جاءت أول ما جاءت عن طريق العرب عبر الخليفة المسلم عمر بن الخطاب، حيث أتيح له أن يقوم بتحقيق أول مشروع للضمان الاجتماعي بعد اتساع رقعة الإسلام، فقد منع تمليك الفاتحين المسلمين أراضي البلدان المفتوحة وصمم أن تكون هذه الأراضي تابعة لأصحابها الأصليين، على أن يؤدوا لبيت المال "خراجاً سنوياً"، وكان ذلك تمهيداً لقيامه بأول نظام وعمل ضخم في ميدان التأمين الاجتماعي، حيث قيّد أسماء الناس.. وفرض العطاء لهم جميعاً، على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم، فلم يدع جماعة من المسلمين إلاّ وفرض لهم من هذا العطاء.

لكننا نستعرض تاريخ الضمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية ليس من باب إثبات التنافس ومن كان سباقاً في الفكرة، وإنما للإشارة إلى تراجع العالم العربي في تطبيق فكرة كان رائدها، وهذا ما ورد في بيان منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)  بمناسبة انطلاق فعاليات أسبوع سياسات الضمان الشامل، حيث قال البيان "على الرغم من تأسيس معظم بلدان المنطقة برامج ومؤسسات للضمان الاجتماعي، فإن التغطية الفعالة للضمان الاجتماعي لا تزال بعيدة المنال: فمعظم برامج التأمين الاجتماعي لا تغطي سوى العاملين في القطاعين العام والخاص بعقود منتظمة، في حين تستثنى فئات أخرى من التغطية، مثل الفئات الأكثر تأثراً بالأزمات من ذوي الإعاقة، والأطفال، والعاملين والعاملات في القطاع غير المنظم، وعمال المياومة، والعمالة الوافدة، وكبار السن، واللاجئين والمجتمعات المضيفة الأكثر هشاشة."

 

حق أساسي

لكن قبل الخوض في واقع الضمان الاجتماعي في الدول العربية يجدر بنا تعريفه أولاً:

يقصد به أي برنامج حماية اجتماعية تم وضعه بموجب التشريع، أو أي ترتيب إلزامي آخر، يوفر للأفراد درجة من أمن الدخل عندما يواجهون حالات طارئة تتعلق بالشيخوخة، أو النجاة، أو العجز، أو الإعاقة، أو البطالة، أو تربية الأطفال. قد يوفر أيضاً الوصول إلى الرعاية الطبية العلاجية أو الوقائية، وأكثر أنواعه شيوعاً معاشات الشيخوخة والعجز ومعاشات الباقين على قيد الحياة، تليها برامج استحقاقات إصابات العمل والأمراض المهنية والأمراض والأمومة والبدلات الأسرية والبطالة، وقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 في المادتين 22 و25 على أن الضمان الاجتماعي حق إنساني لمواجهة تحديات دورة الحياة.

 

الضمان الاجتماعي بين الحق القضائي والحق المنشود

أدى عدم الاستقرار السياسي المستمر، وآثار النزوح الداخلي، وأزمات الصراع، ضغطاً كبيراً على أنظمة المساعدة الاجتماعية والضمان الاجتماعي الحالية في العالم العربي، مما يدعو إلى تجديد الجهود لحشد دعم المنظمات الإنسانية والإنمائية لعملية تأسيس أنظمة حماية اجتماعية شاملة. ويجري عموماً استثناء العمال المهاجرين، الذين يمثلون نسبة كبيرة من القوى العاملة في المنطقة، من الأشكال المناسبة للضمان الاجتماعي والمساعدة الاجتماعية وعلاوة على ذلك؛ فإن أقل من ثلث القوى العاملة في الدول العربية وسطياً يشتركون في الضمان الاجتماعي وفقاً لمنظمة العمل الدولية. في حين يوفر الأردن والمملكة العربية السعودية أعلى معدلات التغطية لنظام التقاعد في المنطقة (51 بالمئة)، وتسجل دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى معدلات تغطية أقل بكثير بسبب ارتفاع عدد العمال الأجانب، والذين لا يحصلون على الضمان الاجتماعي.

وغالباً ما تكون معدلات تغطية النساء أقل من نصف معدلات تغطية الرجال، وحتى أدنى من ذلك بين الشابات، حيث يبلغ معدل مشاركتهن في القوى العاملة 13.5 بالمئة فقط، بينما تبلغ نسبة البطالة بين الشابات 49 بالمئة، و يحصل 27 بالمئة فقط من كبار السن في المنطقة على معاشات الشيخوخة، ويبلغ متوسط التغطية القانونية في أنظمة التقاعد في الدول العربية قرابة 46 بالمئة، بينما نسبة تغطية النساء 34.8 بالمئة فقط، وأقل من 40 بالمئة من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقياً تنص في دساتيرها على الحق في الضمان الاجتماعي كحق قضائي، في حين أن 40 بالمئة من دول تلك المنطقة تعتبر حق الضمان الاجتماعي حقاً منشوداً في دساتيرها .

 

عقد اجتماعي قوي، ومفتاح التنمية الاجتماعية والاقتصادية

ولعلنا نستلهم ما جاء في بيان منظمة النهضة (أرض) من توصيات لتوفير الحماية الاجتماعية ومساءلتها في الأردن، لنجعلها أكثر شمولية حين نسقطها على دول العالم العربي بشكل عام، فكلها بحاجة لتظافر الجهات المعنية الرسمية والخاصة والمجتمع المدني والعمل معاً لضمان تلبية احتياجات الأفراد والمجتمعات لضمان اجتماعي شامل.

 إذ لا يمكن للمساعدة الاجتماعية وعمليات الإغاثة المقدمة من منظمات المجتمع المدني وحدها تلبية احتياجات الأفراد والمجتمعات في العالم العربي، فضلاً عن الاستثمار في الضمان الاجتماعي بشكل متزايد لدعم النمو الاقتصادي العادل، فلا بديل عن الضمان الاجتماعي الشامل كحق أصيل وأساسي للإنسان، كما أن فيه منفعة كبيرة للدول،  فأنظمة الضمان الاجتماعي الفاعلة والفعالة هي مفتاح التنمية الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل، وهو الضامن لإعادة الثقة بين الدول والأفراد، فالضمان الاجتماعي الشامل وجيد النوعية يحقق ثقة أكبر في الحكومات، ويبني عقداً اجتماعياً قوياً، ويجعل لدى الأفراد استعداداً بشكل أكبر لدفع الضرائب مما يجعل الإيرادات الحكومية أعلى، والعكس صحيح في حالة الضمان الاجتماعي غير الشامل أو الاستجابات رديئة الجودة.