"عمر الفرا".. الشِعر مهنة في الأوراق الثبوتية.. والحلم إلغاء الحدود العربية

في إحدى القرى السورية المحيطة بمدينة حمص التي ينتمي إليها الشاعر العربي الكبير عمر الفرا، رفضت فتاة أن تتزوج من ابن عمها قائلة لأهلها: "أنا ماني أقل من حمدة"، تلك القصة لطالما رواها الفرا ورواها آخرون، لتأكيد مدى تأثير قصائده وأفكاره في المجتمع السوري والعربي عموماً، فصاحب قصيدة "قصة حمدة" كان مؤثراً بحق، وإلا لما تجاوزت أشعاره التي كتب أغلبها بلهجة أهل بادية تدمر -حيث ولد ونشأ- حدود البادية، ودخلت كل بيت عربي، ورغم أنه كتب العديد من القصائد بالفصحى مثل "الغريب" و "رجال الله"، إلا أن قصائده المكتوبة بالعامية كانت أكثر عدداً وانتشاراً .

المهنة: شاعر!

في بداياته، عمل الفرا مدرساً في مدينة حمص لمدة سبعة عشر عاماً، لكنه لم ينسَ أن حبه للشعر سبق عمله في التدريس، فقد كتب أول قصيدة له وهو في سن الثالثة عشرة، ولعدم قدرته على التوفيق بين مهنة التدريس في حمص وأمسياته الشعرية في باقي المدن السورية، اختار الشعر، ولطالما افتخر بأن وزارة الداخلية كرمته بأن وضعت "المهنة: شاعر" في جواز سفره.

قصة حمدة ليست أجمل القصائد!

لم تشتهر قصيدة عامية للفرا مثل "قصة حمدة" التي رواها على لسان فتاة من البادية، قررت الانتحار بعد إجبارها على الزواج من ابن عمها، لكن الفرا كان يرفض الرأي القائل إنها أجمل قصائده، ولعل اختزال موروثه الشعري بـ "قصة حمدة" سبب له حساسية، فصار يتجنب إلقاءها في أمسياته، وعن ذلك يقول "معظم قصائدي أجمل من قصيدة "حمدة"، ولكن هذه القصيدة علقت في أذهان الناس، وتُطلَب مني في أي أمسية.. لدي عدد كبير من القصائد الجميلة التي لم يسمعها الناس، لهذا أحاول في الأمسيات تجنب إلقاء قصيدة "حمدة" وألقي قصائد أخرى تحوز إعجاب الناس".

سوري أردني لبناني عربي!

على نحو واضح، كان الفرا يرفض الهويات الفرعية وتجزئة الوطن العربي، سواء في شعره أو في مقابلاته الصحفية والتلفزيونية، وقد قال ذلك صراحة في مقابلة تلفزيونية مع الإعلامية وفاء الكيلاني: "لو عاد الأمر لي، كنت سألغي الحدود بين الدول العربية، وأغلق كل سفارات سوريا في تلك الدول".

وكان الاعتقاد السائد لدى الكثير من الناس بأن الفرا شاعر أردني، ولذلك أسباب كثيرة، ربما لأن لهجته في الشعر العامي تشبه لهجة بدو الأردن، أو لأن انطلاقته الفعلية كانت من التلفزيون الأردني، الذي نسب الفضل إليه في انتشاره عربياً، أو لأنه خاطب شاعر الأردن مصطفى وهبي التل في قصيدة تحمل اسم "عرار" وهو لقب التل قائلاً:

يا ابن أمي الشهم يا عرار

ﺗﻌﺎﻝ ﻧﺼﺎﺭﻉ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭ

ﺗﻌﺎﻝ ﻧﺤﻄّﻢ ﺍلإﻋﺼﺎﺭ

ﻣﻠّﻴﻨﺎ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻭإﺣﻨﺎ

ﺑﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﺴﻜنة ﻭﺍﻟﻌﺎﺭ

ﻣﻠﻴﻨﺎ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻭإﺣﻨﺎ

ﺑﻘﻠﺒﻨﺎ ﻧﺪﻕ أﻟﻒ ﻣﺴﻤﺎر

أما حبه ودعمه للمقاومة اللبنانية فكان أوضح من أن يُخفى، فقد كتب عنهم ولهم مراراً، وكانت قصيدة "رجال الله" أبرز ما نظمه في حبهم ودعمهم، نذكر منها  :

لهم علم ومعرفة بمن سادوا.. ومن بادوا‏

وموسيقى بحور الشعر وكيف يحرر الإنسان‏

جنوبيون كان الله يعرفهم‏

وكان الله قائدهم.. وآمرهم‏

لذا كانوا- بكل تواضع كانوا-‏

رجال الله يوم الفتح في لبنان

الشعر يأتي ولا يؤتى!

كان منهج الفرا في كتابة الشعر بأن القصيدة تأتي من تلقاء نفسها، ربما بعد أسبوع من كتابة القصيدة التي سبقتها، وربما بعد شهر، وربما بعد سنة، لكن الشاعر الحقيقي من وجهة نظره لا يستطيع الكتابة في كل وقت، وفي غير مرة جدد التأكيد بأنه لو كان يستطيع الكتابة متى أراد لملأ الدنيا شعراً.

كتب الفرا الشعر بعد الواحدة ليلاً.. ويستمر في كتابة القصيدة حتى تنتهي في الصباح، وأحيانا تستمر لليلة الأخرى، وأحياناً لا تنتهي أبداً، وكان يحترق في كل مرة يكتب فيها الشعر وكأنه يكتبه للمرة الأولى.

كمن يفرغ مياه البحر في قنينة صغيرة!

ولد عمر الفرا عام 1949، وتوفي يوم الأحد 21 حزيران/ يونيو 2015 عن عمر ناهز ستة وستون عاماً، إثر نوبة قلبية في بيته بالعاصمة السورية  دمشق، ورغم رحيله ما زالت قصائده حاضرة في الأذهان والمواقف، خاصة وأن لصوته نغمة حزينة ومسرورة في اللحظة ذاتها، متشائمة ومستبشرة في الوقت نفسه، نغمة لا يجيد عزفها سوى عمر الفرا، ومثل أي شاعر، كانت مواقفه السياسية مثل معاداة الثورة السورية، وتأييد فتوى للشيخ محمد سيد طنطاوي بجلد الصحافيين والكتّاب المعارضين، تُكسبه محبة كثيرين وتُخسره محبة آخرين، غير أن إبداعه كان متفقاً عليه من الكارهين قبل المحبين، فهو الساحر الذي كانت قدرته الفائقة على كتابة القصيدة ببساطة وعمق أشبه بتفريغ مياه البحر في قنينة صغيرة، أو إنبات الزرع في أرض قاحلة لا ماء فيه.