المياه في العالم العربي...كي لا يصبح الحصول عليها حلماً

 لم يعد سراً أن معظم دول العالم العربي باتت اليوم ترزح تحت خط الفقر المائي، أي أن حصة الفرد من المياه سنوياً صارت أقل من 1000م³، ومن المتوقع أن يقل نصيب الفرد العربي من المياه إلى أقل من 500 م³ سنوياً بحلول عام 2025، بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة، وهذا الأمر صار حقيقة في 19 دولة عربية من أصل 22 دولة تشكل العالم العربي، قبل حلول العام 2025. ومن بين هذه الدول ثمة 14 دولة تعاني شحاً حقيقياً في المياه، بحيث لم تعد قادرة على سد الاحتياجات الحقيقية لمواطنيها، وهذا طبيعي ومتوقع، بعد أن تضاعف استهلاك العالم العربي من المياه خمس مرات خلال العقود الخمس الماضية.

يحدث ذلك بينما لا يستغل العالم العربي من موارده المائية البالغة حوالي 340 مليار متر مكعب، سوى 50% منها فقط، ويذهب ما تبقى ضحية للهدر وفريسة للضياع، ما استدعى تحذيرات وإنذارات دائمة من خبراء المياه بضرورة الالتفات إلى أهميتها ووقف هدرها، ووضع السياسات التي من شأنها ضبط استخدام المياه وترشيدها وزيادة كمياتها.

 

ما هي مصادر المياه في الوطن العربي؟

تنقسم مصادر المياه في الوطن العربي إلى مصادر تقليدية وغير تقليدية، ويقصد بالتقليدية مياه الأمطار، وهي أولى وأهم مصادر المياه التقليدية في العالم العربي، وتعتمد عليها دول عديدة في بناء اقتصادها الزراعي والصناعي بصورة أساسية ومنها الجزائر؛ وتونس؛ والمغرب؛ ولبنان؛ وسوريا؛ والأردن؛ والصومال؛ والعراق، إضافة إلى مياه الأنهار، ويقدر معدل موارد المياه المتجددة سنويا في العالم العربي بنحو 350 مليار متر مكعب، أما ثالث هذه المصادر فهي المياه الجوفية ويقدر مخزونها في العالم العربي حوالي 7734 مليار متر مكعب، يتجدد منها سنويا 42 ملياراً، ويتاح للاستعمال 35 مليار متر مكعب، أما المصدر التقليدي الأخير فهو مياه الأودية الموسمية والبحيرات الطبيعية، وتتباين في كثافتها تبعاً لتضاريسها ونوع التربة والبيئة .

أما المصادر غير التقليدية؛ فهي تحلية مياه البحر، وإعادة المعالجة، كإعادة مياه الصرف الزراعي والصناعي والصرف الصحي، واستخدامها في الزراعة والصناعة، وتجميع مياه الأمطار، وتلقيح السحب لإنزال "المطر الصناعي".

 

الأمن المائي العربي مهدد أكثر من ذي قب

وعدا عن تضاعف استهلاك العالم العربي للمياه، إضافة إلى شح الموارد كما أشرنا سابقاً، فإن الأمن المائي العربي بات مهدداً أكثر من أي وقت مضى و لأسباب عديدة، وعلى رأسها وجود منابع أو مرور أهم مصادر المياه العربية المتمثلة في الأنهار الكبيرة في دول غير عربية، كما هو الحال في نهر النيل بمنابعه الإثيوبية والأوغندية، وكلنا يعرف الخلاف السياسي الذي نشب مؤخراً بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي، حيث يعتبر السد، وهو مشروع طموح للطاقة الكهرومائية بتكلفة تقدر بـ 4.5 مليار دولار، رمزاً لهدف إثيوبيا في أن تصبح لاعباً إقليمياً رئيسياً. ويهدف مشروع السد لتغطية احتياجات 60% من المنازل الإثيوبية من الطاقة الكهربائية، والذين ما زالوا خارج نطاق شبكة الكهرباء، وذلك في إطار خطة الحكومة الإثيوبية لتحويل الدولة إلى مُصدّر رئيسي للطاقة في المنطقة، ولكن بالنسبة لمصر، يهدد السد واحداً من أغلى مواردها، حيث يعيش معظم المصريين، الذين يتجاوز عددهم 100 مليون نسمة، حول وادي النيل الضيق على طول النهر، ويعتمدون عليه في كل شيء، من الشرب إلى الصناعة والري، هذا الخلاف المستمر منذ تسع سنوات دفع الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، لتحميل مسؤوليته إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي التي أشار مقربون من دوائر السلطة المصرية إلى أن مشروع سد النهضة "يهدف لإيصال مياه النيل لإسرائيل وغيرها".

 

نزاعات محتملة بسبب المياه

إضافة لذلك؛ فمن المحتمل نشوء نزاعات إقليمية بين دول عربية تمر بها نفس الأنهار، حيث يمر نهر النيل بمصر والسودان، ويشترك الأردن وسوريا ولبنان في نهر الأردن، كما تتشارك سوريا و العراق في نهر الفرات، أما أحد أهم الأسباب المهددة للأمن المائي العربي، فتكمن في الزيادة السكانية المطردة التي يقابلها تناقص في نصيب الفرد من المياه سنوياً، إذ يشير إحصاء تقديري لتعداد السكان في العالم العربي لعام 2030 إلى زيادة تقدر بثلاثة أمثال ما كان عليه عام 1990، وفوق هذا وذاك، تقف ضعف القدرة المالية لدى بعض الدول العربية للبحث عن حلول بديلة في مواجهة نقص المياه مقابل الزيادة السكانية المستمرة، وتأثير ذلك على اقتصاد البلاد ونمائها وأمنها، أما أخطر السيناريوهات القادمة وأكثرها رعباً، أن تكون أزمة المياه سبباً لحروب في المنطقة العربية، وهو ما تم تداوله في السنوات الأخيرة.

 

ما هي الحلول المتاحة؟

ثمة مبادرات كثيرة أطلقها الشباب العربي للتوعية بأهمية المياه وترشيد استهلاكها ووقف هدرها، منها مبادرة "حافظ على مياه مصر" التي دشنها طلاب في الجامعة الأميركية بمصر،  و مبادرة فن الشارع "تمسك بالماء" التي أطلقها مشروع التقنيات المائية المبتكرة، الممّول من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بالتعاون مع منظمة "ايه بي تي ارت" حين قام فنانون يعملون مع الشباب في أرجاء العالم، بإنجاز ست جداريات فنية في الأردن وتحديداً في إقليم الشمال، حيث تم وضع تصاميمها ورسمها من قبل فنانين دوليين وأردنيين، بالتعاون مع متطوعين من المجتمعات المحلية، كما أطلق اتحاد المغرب العربي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" مبادرة لمواجهة ندرة المياه في المغرب العربي، ومبادرة توزيع المياه على الأحياء الفقيرة في العاصمة اليمنية صنعاء قام بها فريق "كن إيجابياً"، وغيرها الكثير الكثير، وكلها تهدف إلى توعية السلطات الرسمية والشعوب بخطورة شح المياه في الوطن العربي.

غير أن هذه المبادرات ستبقى حبراً على ورق في مواجهة أزمة العطش، وأزمة التصحر، وأزمة تناقص المياه، ما لم تستمع الجهات المعنية لنداءات الخبراء بضرورة أن تعتمد الحكومات العربية إصلاحات سياسية ومؤسساتية وبالأخص الإصلاحات القانونية، مما يسهم في استبدال الثقافة الحالية التي تعتمد تأمين المزيد من الإمدادات المائية من خلال مشاريع باهظة الكلفة، إلى ثقافة تدير الطلب عبر تحسين الكفاءة وخفض هدر المياه، وحمايتها من الاستعمالات المفرطة، وعلى الدول والحكومات العربية اتباع عدد من الخطوات الوقائية للمحافظة على أكبر قدر ممكن من الثروة المائية، وذلك من خلال إنشاء البرك والسدود، لحفظ المياه والاستفادة منها في موسم الجفاف، وإصلاح شبكات المياه، وترشيد استهلاك المياه، واعتماد الوسائل الحديثة للري، وإبعاد خطر التلوث عن مصادر ومجاري المياه، ودعم تجارة المياه الافتراضية، لتخفيف الضغط على الموارد المائية التقليدية، وللحد من وتيرة الصراع الجيوسياسي على المياه.

تلك حلول تتردد دائماً، ومهما كانت صعبة التطبيق، فالأصعب منها تركها، بحيث تصبح المياه حلماً لشعوب العالم العربي بعد أن كانت أوفر الأشياء المتاحة بين أيديهم!