الضوء الأزرق

حين تطالع ما سطّره الأدباء والشعراء الفلسطينيون عبر الأزمان، أمثال جبرا إبراهيم جبرا؛ ويحيى يخلف؛ وماجد أبو شرار؛ وإميل حبيبي؛ وغسان كنفاني؛ وتوفيق زياد؛ وسميح القاسم؛ وحسين البرغوثي؛ ومحمود درويش؛ قد تنقاد سريعاً تحت جناح كلماتهم، وجمالية نقدهم، وتصورهم لوقائع مدن فلسطينية، وأحداث ومجازر كانت قد أودت بحياة الآلاف من النساء والشيوخ والأطفال والعزل.

هل يتجرأ الفلسطيني أن يسطّر حلم شعبٍ دمه على كفه، ورقياً؟ ثم كيف يحلم الروائي أو الشاعر الفلسطيني بالتحرير والوحدة؟ أزقزقة العصافير، وكوب قهوة ساخن، والنظر في حقول الزرع، تجعل كان ما يكون أن يبدع؟...نصف حقيقة! القهر وتغلغل الجراح هما من جعلا من الروائي الفلسطيني باباً مفتوحاً لتقدم الرواية العربية.

وليس مستغرباً أن يكون الفلسطيني مبدعاً بالفطرة، لأنه قاسى ودافع عن أرضه وأشجار أجداده وبرتقال "الضفة" الحزين، ووقف بحروفه وتعابيره نداً منيعاً أمام العدو الغاشم، وسطر بجراحه ومآسيه صكوك الشموخ والانتصار.

تلك المقدمة ما كانت لتكتب لولا ما وجدته في الجدارية الأدبية الفلسطينية "الضوء الأزرق"، التي نقشها الروائي الفلسطيني حسين البرغوثي، عبر سجاله مع واقع أليم، وذاكرة لعينة في شتات دائم، وقلب كجلمود صخرة على كتف جبل "المكبّر".

 في تحفته الأدبية هذه، مكّن البرغوثي المولود في العام 1954، في قرية "كوبر"  الواقعة في الشمال الغربي لمدينة رام الله، القارئ لأن يتفكر، ويشعل حواسه الخمس في محاولة استقراء ما وراء سحر الكلمة، حريصاً على النظرة البعيدة للثورة الفلسطينية، خاصة في مسألتي التحرير والوحدة. فما كان منه إلا أن فرق بين كفاح العاطفة وغريزة التملك، تملك الأرض والجبال والبيوت و"البيارات"، والأهم هويته الفلسطينية.  

للبرغوثي أفكار غريبة عجيبة في فهم الحياة، ربما تمخضت من جوف القراءة، أو حرصه في تطبيق قاعدة "أرسطو" الخالدة "اعرف نفسك بنفسك"، فتجاربه اليومية اكتسحت مجالاً واسعاً في "الضوء الازرق"، بشكلٍ لم يخف على قارئها.

على يقين بأن فاه يلفظ عبارات في النفس وسيكولوجية الإنسان المقهور، ويبتعد عن فهم الأمور بطريقة طوباوية، قد شرب عسل الحياة بحلوها ومرها. فمثلاً عندما يتأثر البرغوثي بالفيلسوف الألماني، "فريدريك نيتشه"، في محاولة تصويب فؤاده وغربلة أوجاعه بما يتناسق مع عذوبة الكلمة، اعلموا بأن البرغوثي مقهور جداً...جداً!

الأديب الراحل شاء أن يصوغ همومه الوجودية والثقافية والفلسفية، ساعياً إلى تأصيل فكرة تماهي الذّات مع الوطن، وكأي عربي، سترى بين صفحات روايته نفسك أو بعضاً منك، وتدرك أن لوجودك معنى.

رثى البرغوثي في "الضوء الأزرق"، الروائي العالمي "فرانس كافكا" صاحب رواية "المسخ"، متعمداً أن يذكره بالجنون والانفصام، لكن من تحت المجهر. قد يكون البرغوثي قام بتقمص شخصية "كافكا" الجنونية، لكن لفترة قصيرة، في المرحلة الدراسية، وربما أكثر...لست أدري! استنشق البرغوثي عبير الكلمات ومعانيها، وأبدع في ذلك.

اليوم؛ أعيد قراءة "الضوء الأزرق"، وفي البال طوق أمنيات بعودة ضوء البرغوثي، ليُفهمنا ما يدور من حولنا، ويدخلنا في عوالم الحقيقة التي نتوق لمعرفتها، حقيقة تبعدنا عن هؤلاء الذين يحاولون تغطية سقوطهم بالوشم، بالنقوش، وبالخوف من الشمس!