الحالمون الذين حجزوا مقاعدهم في أزمنة لم يدركونها!

كل الأشياء ينبغي أن يكون لها حد، وأن تكون بقدر، إلا الأحلام، فكلما تماديت فيها، وكلما كنت مستبصراً في ممارستها، سيكون مجدك أكبر، وفرصتك بالبقاء أكثر، وقديما قالوا "ما فاز إلا الجسور"، ذلك الذي سبق جيله ونظر للغد بينما كان غيره يقف على أطلال الأمس أو يفكر في يومه بأحسن الأحوال.

في الآونة الأخيرة كان أكثر منشور تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي هو ما نُسب إلى المفكر والطبيب المصري مصطفى محمود، وقيل إنه مقتطف من مقالة له نشرها في جريدة الأهرام عام 1966 وجاء فيه: "في عام 2000 سيصبح التلفون أسهل وسيلة اتصال لأنه سيكون في حجم علبة السجائر ولا يفارق صاحبه رجلا كان أم امرأة أو حتي طفلاً سيصبح لكل فرد في الأسرة تليفون خاص به ورقم خاص به حتي لا ينتظر أحداً أن يفرغ غيره من الحديث في التليفون..وسيصبح مظهراً مألوفاً أن يجلس أكثر من شخص في غرفة واحدة ويتحدث كل منهم في تليفونه الخاص. هذا التليفون سيكون متنقلاً بحيث يمكن نقله للسيارة والشارع وفي أي مكان تذهب إليه".

لم يتسن لنا التأكد من صحة نسب المنشور إلى مصطفى محمود، لكن من قرأ لهذا العبقري لا يستبعد ذلك، فلطالما كان يكتب بعين تستبصر القادم، فهو الذي حذر من التطبيع مع الاحتلال، وهو الذي كذب سعيهم للسلام، واعتبر أن اتفاقيات السلام التي وقعها العرب معهم ليست إلا "عقد إذعان أكثر منه اتفاقاً وتراضياً"، وبأنه طريق مرصوف بالجحيم، وهذا ما تبين فعلاً، كما أنه توقع حصار مصر مائياً وهو ما نعيشه اليوم، كما أنه من أوائل الذين نبّهوا إلى الخطط الغربية الرامية لتشويه الإسلام عبر استخدام ودعم من سماهم إسلاميين متطرفين لتدمير الحضارة الإسلامية من الداخل، فهل لديك شك بأن هذه الأشياء التي كان يتنبأ بها قبل عقود من حصولها صارت واقعاً؟

من منا لا يعرف الخطاب الشهير  بعنوان "لدي حلم" للمناضل والزعيم والخطيب الأميركي  من أصل أفريقي "مارتن لوثر كينج"، الذي ألقاه عام 1963 وعبّر فيه عن رغبته في رؤية مستقبل يتعايش فيه السود والبيض بحرية ومساواة وتجانس، وأن يحصل الأميركيون السود على حقوقهم المدنية والسياسية، كان يطالب بذلك في وقت يعاني فيه هؤلاء من ظلم وتمييز بل واحتقار، ولم يكن أشدهم تفاؤلاً يحلم بأن يتغير الحال فيشعر بأدنى قدر من المساواة، لكن خطاب "لدي حلم" صار أقرب للحقيقة، وتجلى في أبهى صوره في عام 2009 حين أصبح باراك أوباما أول أميركي من أصل أفريقي رئيساً للولايات المتحدة، وقد أعيد انتخابه رئيسا في العام 2012.

ظلت رواية "رحلة إلى القمر" التي ألفها الفرنسي جول فيرن عام 1865 تندرج تحت لواء الروايات الخيالية، لكن بعد مئة وأربعة أعوام من تأليفها أي عام 1969، صارت حقيقة بعد أن انطلقت  "أبولو 11" لوضع أول إنسان على سطح القمر، أما رواية "عالم جديد شجاع" التي ألفها الكاتب البريطاني المخضرم "الدوس هاسكلي" في بداية الثلاثينات فستصيبك بالحيرة حين تقرأها اليوم، فالرجل كان يتنبأ ويستبصر ويحلم أكثر مما يكتب، فقد رأى في المستقبل "عالم شديد التحرير، والعلم وصل لمرحلة مخيفة من التقدم، والعلمـاء لهم مدنهم الخاصة، والناس يستعينون بالعلم في تلبية كل احتياجاتهم ورغباتهم الإنسانية، لا حاجة إلى الزواج لأنهم يتكاثرون عن طريق وضع الأجنة في أوعية خاصة بدلا من أرحام الأمهات "ويقصد بذلك أطفال الأنابيب"، ويكون شاغل الناس الأكبر هو المتعة بكل أشكالها، الآليات في كل مكـان لخدمة الإنسـان الذي يجد كل ما يريده أمامه بضغطة زر، حتى الشعور بالحزن في هذا العالم يمكن للإنسان أن يتجاوزه بالأدوية".

ربما سترى في معظم ما كُتب أعلاه تنبؤات أكثر منها أحلام، وهذا صحيح نسبياً، لكن التنبؤات لا يمكن أن تصدر إلا عن حالمين ومتحمسين، وأناس كانوا لا يعيشون اللحظة بقدر ما كانوا يعيشون اللحظة التي ستأتي بعد رحيلهم، كأنهم أرادوا أن يحجزوا مقاعدهم إذا لم ينتبه لغيابهم أحد، وقد نجحوا!