ما هكذا يُستخدم الـ "فيسبوك"!

 بكل جلاء، وهدوء، يمكن اليوم، ملاحظة حجم التدهور في منظومتي الفكر والأخلاق داخل منصة التواصل الاجتماعي الـ "فيسبوك"، قياساً، بما نراه ونتابعه لأفراد يعيدك تفكيرهم لمنطق (حي بن يقظان)، في اكتشاف أسرار الوجود!

الحقيقة المرة تجدها هنا في كيفية تعامل بعض المستخدمين مع الأحداث والمعلومات اليومية وتناقلها بشكل غير سوي، وفاضح، وخاطئ، وبالكاد قد يتم ذكر مصادرها، وتتسبب أحياناً كثيرة بنشوب معارك "فيسبوكية" تبعث للاشمئزاز في نفوس أجداد أجدادنا!

ورغم أن هذه المنصة لم تعد تقتصر على كونها نافذة للتواصل بين الأفراد، وإنما باتت تشكل أهم أدوات التأثير في صناعة الرأي العام وتشكيله، وتنشئة الشباب وتثقيفه، بل وينظر إليها البعض على أنها يمكن أن تقود حركة التغيير في العالم العربي، لكنها في المقابل قد تكون ضارة وتتسبب بمشكلات كثيرة، فمثلاً؛ قد يتناقل مستخدمو "فيسبوك" أخباراً، قلما يذكر مصدرها، وينقصها التحقق من مصداقيتها، الأمر الذي يثير اللغط والتشكيك بين الناس.

ما يثير الدهشة حقاً، تحول بعض "الفيسبوكيين" لمفكرين كباراً، يعزون ما يدور في مختلف بقاع الأرض (حروب وقتل وفقر وسرقة) للغرب وشروره..."أنعم وأكرم!".

لست بصدد تفكيك أزمة الوعي الإنساني هنا، لكن ثمة مشكلة حقيقة تتمثل في ارتفاع حجم خطاب الكراهية على هذا المنبر، فضلاً عن ارتفاع حدة الاتهامات بين المستخدمين، رغم أنه ساعد على إتاحة المعلومات وعدم إخفائها عن الناس.

برأيي؛ هناك "بؤس فكري" يجر هؤلاء المستخدمين إلى "مجازر" كلامية تبعث بنا في اتجاه مأساوي، وتفند جميع مبادئ وقيم التسامح والحوار، فقد أصبح الـ "فيسبوك" أكبر من حالة اتصال وتواصل، بل قد امتد إلى فراغنا.

وفي التفتيش عن مأساة وصول بعض مستخدمي موقع "فيسبوك" إلى درجة كبيرة من الانحطاط الأخلاقي قبل الفكري، وتكتشف أنهم ومن مختلف الأعمار، لا يرون في استخدام هذه المنصة سوى أنها منصة "للردح"، ضاربين بحقيقة أن "النقاشات لا تفسد الصداقة" عرض الحائط.

وكمنصة هي الأكثر انتشاراً حول العالم، ويبلغ عدد مستخدميها في الأردن نحو 6 ملايين مستخدم، فإن هناك 10 أو 11 من كل 10 آلاف محتوى خلال الربع الثالث من العام الجاري، تضمنت خطاب كراهية، الأمر الذي يدفع إلى تزايد حجم المشكلة وتفاقمها بسبب الاستخدام غير الصحيح لهذه المنصة.

اليوم؛ لا يمكن إغفال الجوانب الإيجابية التي يقدمها فيسبوك والاكتفاء بالجوانب السلبية نتيجة سوء استخدامه، وأهمها؛ أنه منح صوتاً لمن لا صوت لهم، خاصة الفقراء والمهمشين الذين لم يكن لهم طريقة لإيصال صوتهم سوى مواقع التواصل الاجتماعي.

الأهم في هذه الفترة، هو الإدراك بأن استخدام هذا المنبر، لا يتبلور وينضج إلا باحترام الآخر وقبوله، وأن تكون استخداماتنا له، بعيدة عن إيذاء مشاعر الآخرين أو الإساءة لهم وتجريحهم أو إطلاق الإشاعات عليهم.