كيف لا يغترب الأردني؟!

قبل سنوات، كنت ألوم أصدقائي الذين يختارون الغربة مهما كانت مبرراتهم، وكنت أعتبر أن البعد عن الوطن خسارة لا تعوضها كل الأرباح، هكذا أنا! تحكمني العاطفة أكثر من المنطق، أو لأن قلبي يكتئب حين يرى الكفاءات الأردنية تغادر وطنها دون أن يستفيد منها وتستفيد هي منه، أو ربما لأنني كنت أحبس في داخلي قليلاً من الأمل بأن القادم أفضل وبأن الأردن سينهض مثلما نهضت دول أقل منه بكثير وسيكون لنا حق ودور فيه.

لكن مع مرور السنوات، ترسخت لدي قناعة تامة بأن الحكومات الأردنية المتعاقبة وتلك التي ستأتي لا يمكن أن تُعيّن قبل أن تتعهد بممانعة الإصلاح وحماية الفساد، فقرأت القادم من عنوانه الحاضر! مثلما أثبتت لي الأيام التي تمر بلا أيام والعمر الذي يتقدم بلا تقدم أن العاطفة لا تطعم خبزاً وأن حب الأوطان لا يبني بيوتاً، وفي اللحظة التي نزفت معها آخر قطرة أمل وغلب المنطق العاطفة، تحول سؤالي العاطفي الدائم "لماذا يغترب الأردني؟" إلى سؤال منطقي مفاده: "كيف لا يغترب الأردني؟"، ذلك أنني صرت أبرر خيار الغربة قبل أن يبرره المغترب!

كيف لا يغترب الأردني وهو الذي لن تُغني كل شهادات العالم عنه شيئاً إذا كان عاجزاً عن التسلح بعبارة "أنا من طرف فلان"، كيف لا يغترب والواسطة في وطنه أفضل من ألف امتياز وألف شهادة عليا وألف قانون مساواة!          

كيف لا يغترب والمحسوبية تظلمه، والشللية تهضمه، كيف لا يغترب وهو عاجز عن رد الإحسان لوالده الذي انحنى ليقوّمه، أو لوالدته التي باعت "ذهبها" ذات فصل دراسي استحكمت حلقاته فضاق أكثر!

كيف لا يغترب الأردني وما من شيء يعينه على العيش سوى الأقساط: البيت أقساط، والسيارة أقساط، والهاتف أقساط، والدراسة أقساط، والفرحة أقساط. كيف لا يغترب وزواجه حلم، وتحقيق متطلبات أسرته خيال، وعمره الهارب خسارة لا تردها الأقساط.

 كيف لا يغترب الأردني وهو يدفع ثمن حقوقه رغم التزامه المطلق في تأدية الواجبات، كيف لا يغترب والشيء الوحيد الذي تقدمه له الدولة مجاناً هو الألم، كيف لا يغترب والدائن يراقبه والقروض تطارده وراتبه الشهري ينفد قبل أن يتقاضاه!

كيف لا يغترب الأردني وكرامته التي كانت راحته صارت وجعه، كيف لا يغترب وسياسة توريث المناصب القذرة تقتل حلمه النقي، كيف لا يغترب وموهبته ضاعت في زحمة الفساد، كيف لا يغترب وسيرته الذاتية وإن طالت ستبقى أقصر من ربطة عنق ابن المسؤول، كيف لا يغترب الأردني وقد سبقه العدل في ذلك، فحتى العدل لم يجد مكاناً في وطني فاغترب!

على الأردني أن يغترب خارج وطنه...صحيح أنه قد لا يحقق الكثير في الخارج، لكنه من ناحية سيفسح مجالاً أمام الأردنيين المغتربين في الداخل، كما أن ظلم العالم بأسره يهون ويصغر أمام الظلم الذي تتجرعه في وطنك، فليس ثمة أشد مضاضة من هذا الظلم!