حارس الشقاء والأمل!

لا أدري لماذا تُكتب المقدمات؟ ومع ذلك فنحن نكتبها! فكيف لي أن أقدم للقراء كاتباً بحجم الأديب السوري، حنا مينه، شيخ الروائيين العرب، والبحار؟

ذلك السؤال بقيت أردده في ذاتي لساعات طويلة، وتحديداً قبل الشروع بكتابة هذه المقالة حيال شخص أذهل العالم العربي بأسلوبه الكتابي، الذي لم يقترب فيه بين العامية الصرف، ولا الفصحى العالية.

مينه المولود عام 1924، لم يكن من هؤلاء الذين يُطلق عليهم اسم روائي وكفى، بل كان أديباً ومعلماً وخبيراً في الحياة، فسماته الواقعية، وأسلوبه السردي السلس، وشخصياته المألوفة المنبثقة من بيئته الاجتماعية، ودخوله إلى عوالم وأسرار البحار والبّحارة، جعلت منه قريباً من صف الإنسان البسيط.

وقبل أن ينال مينه تلك المهارة الكتابية العجيبة، لم يأنس بإكمال دراسته التعليمية، فحياته الفقيرة قد أمدته بخبرات كثيرة فقد عمل حلاقاً، وحمالاً، وبحاراً، وكاتباً للعرائض قبل أن يصبح صحافياً ماهراً، ليلج من خلال الصحافة إلى سردياته القصصية والروائية، ويختص تحديداً في الكتابة عن البحر، ولعل هذا التخصص هو الذي مهد له الطريق لأن يصبح واحداً من الكتاب الأوسع انتشاراً في العالم العربي.

فإلى جانب عبد الرحمن منيف، والطيب صالح، وغسان كنفاني، وغيرهم من أساطير الرواية العربية، حلّق مينه من خلال أبرز مؤلفاته "المصابيح الزرق"، "الياطر" "الأبنوسة البيضاء"، "نهاية رجل شجاع"، و"الشمس في يوم غائم"، إلى غياهب الكون، واستطاع السير على وجه الماء، متحدياً أمواج البحر والحياة معاً!

والذي يقرأ رواية "الياطر" مثلاً، يستطيع التعرف على عالم البحر والموانئ، وكل الحكايات التي تلازم حياة البحار، كذلك الذي يقرأ "الشراع والعاصفة"، وغيرها من الروايات المجيدة، التي كُتبت بالتجربة أولاً، ثم بالموهبة، ودراية الإبداع.

وحتى في روايات مينه الأخرى (نهاية رجل شجاع، والشمس في يوم غائم، وآه يا بحر)، التي جذبت صناع الفن السابع وكل المشتغلين بالصورة، وتم تحويلها لأفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية، فقد كانت كتاباته أقرب إلى السيناريو منها إلى الرواية، فأقبل السينمائيون ورواد الفن التلفزيوني على أعماله ليصبح أكثر روائي سوري قُدمت أعماله في السينما والتلفزيون، بعد الروائي المصري نجيب محفوظ.

عند الحديث عن كاتب مثل حنا مينه، تصيبك نوبات من الابتسامة والصمت والجمال والدهشة، فأنت أمام قدرة استصبار كبيرة، استطاعت استيعاب رحابة الحياة، وأضاءت بإبداعها متاهات البنى الخفية لعالم الذات، وللعالم الخارجي، بل وفتحت نوافذاً مغلقة لاكتشاف الذات.

يعي مينه أن الحقيقة موجودة، كما أن الشمس موجودة، لكن الفارق أن الشمس كثيراً ما تحجب بالغيوم، أما الحقيقة والتي هي شأن الإنسان، لا بد من البحث عنها والإيمان بمجيئها، بالتضحية والتمرد والفهم والقدرة على دق الأرض لإيقاظها!

نعم؛ لقد نجح الراحل باستنطاق جوهر الإنسان الشجاع الذي لا يخشى في حياته أن يحق الحق، وينصر المظلوم، وينبت بذور المحبة في قلوب المستضعفين...هي الحياة!

حنا مينه...كاتب الرجولة والحب، وحارس الشقاء والأمل...أنت كعمق البحر ولون السماء، لا تنتهي بموت النوارس، ومهما انطفأ مصباح العمر ستظل مصابيحك مشعة وتنير دروبنا.