إلى محمد طمليه بطبيعة الحال

ثمة تفاصيل يكون لها القول الفصل في تمييز كاتب عن كاتب، كديمومة الكلمة، والكتابة بعين تُشخص الواقع، وأخرى تستشرف المستقبل في النص نفسه، والسخرية من كل الأشياء قبل أن تسخر هي منك، ونعني بذلك السخرية بمفهومها الحقيقي قبل أن يحولها "أنصاف الكتبة" إلى تهريج وكوميديا، إنها السخرية التي تترك القارئ حائراً بين البسمة والدمعة.

تلك مقدمة ربما تكون ضرورية للحديث عن أحد أهم الكتاب الساخرين في الأردن والوطن العربي، وربما أنها غير ضرورية أبداً، فمجرد ذكر اسم "محمد طمليه" يختصر المقدمات والتعريفات. تخيل أن هذه الأيام تصادف الذكرى السنوية الثالثة عشر لرحيله، بينما لو قرأت إحدى مقالاته ستشعر أنه كتبها منذ ساعات، وتخيل أنه أصيب بالسرطان الذي ترتجف القلوب من مجرد ذكره، لكن طمليه ظل يسخر منه حتى الهزيع الأخير من حياته.

ولد محمد طمليه عام 1957 في قرية "أبو ترابة" بمحافظة الكرك جنوبي الأردن، لأسرة مكوّنة من أب وأم واثني عشر مولوداً، كان الفقر والترحال ورقة في دفتر العائلة، الأمر الذي ساهم في تشكيل سخرية طمليه وفوضويته وجنوحه عن المتعارف عليه في مجتمعه، وعلى هذا الأساس وصفه الروائي الراحل مؤنس الرزاز بأنه مضاد للانضباط.

على نحو دائم؛ يحضر محمد طمليه في ذاكرة القراء في الأردن والعالم العربي في الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر من كل عام، وكأنهم لا يريدون لهذا الغياب أن يستمر، أو لأن مفرداته ما زالت صالحة للاستعمال، وللدهشة، وللابتسامة، وللحزن أيضاً.

كانت مجموعته القصصية "المتحمسون الأوغاد" بداية انطلاقه وهويته التي كشفت عن كاتب متمرد على الواقع المعاش، وعلى الحياة الرتيبة التي يعيشها المرء، سائراً على خطوط مرسومة له مسبقاً، لكن النملة وهي بطلة قصته الرئيسية ثارت في وجه رفيقاتها، ورفضت أن تقتصر حياتها على نقل الحبوب وتخزينها استعداداً للشتاء، كأن محمد أراد أن يقول "إذا كانت النملة قد ثارت على واقعها، ماذا عنكم؟"

تأثر طمليه بوالدته حليمة كثيراً، كان أحياناً يكتب لها بصريح العبارة، وأحياناً أخرى يكتب عن حبيبة في البال، إلا أن المتعمق في سطوره يعرف أن المقصودة هي حليمة لا غير، وهي التي وصفها حين رثاها قائلاً "امرأة من طحين، ووجهها رغيف"، دلالة على الحنو والعطاء والمكانة أيضاً، وقد حمل أحد كتبه عنوان "إليها بطبيعة الحال" وكان يقصد حليمة دون سواها.

لم يكمل طمليه دراسته الجامعية، فقد أعاقته الرهافة بمعنى الحنين إلى بلده عن المواظبة على الدراسة في الجامعة المستنصرية في بغداد، فيما أعاقته السياسة عن إكمال الدراسة في الجامعة الأردنية -كما وصف ذلك في إحدى نصوصه- ولم يتزوج أيضاً، فقد أقنعه ﺍﻟﻤﺪﻋﻮ "ﺩﻭﺳﺘﻮﻳﻔﺴﻜﻲ"، و ﺍﻟﻤﺪﻋﻮ "ﻟﻮﺗﺮ ﻳﺎﻣﻮﻥ"، وﺍﻟﻤﺪﻋﻮ "ﻛﺎﻓﻜﺎ" ﻭﺳﻴﻰﺀ ﺍﻟﺼﻴﺖ ﻭﺍﻟﺴﻤﻌﺔ "بايرون" أﻧﻪ ﻳﺘﻌﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻤﻮﻫﻮﺏ أﻥ ﻻ ﻳﻜﺘﺮﺙ ﺑﺸﻲﺀ: ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﻴﺔ...ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ...ﺍﻟﺰﻭﺟﺔ...إلخ، وأن ﺍﻻﻧﺪﻓﺎﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﻀﻴﺎﻉ ﻫﻮ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﺓ ﻟﻠﺨﻼﺹ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺠﺮ ﻭﺍﻟﺮﺗﺎﺑﺔ، ﻭأن ﺗﻮﺗﺮ ﺍلأﻋﺼﺎﺏ ﺩﻟﻴﻞ ﺭﻫﺎﻓﺔ، ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺘﻤﺎﺩﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﻋﻮﻧﺔ ﺧﻠﻖ ﻭ إبدﺍﻉ"

كان كل شيء في حياة طمليه غريباً ومدهشاً، والذي كان طبيعياً ومألوفاً فقط هو ما أشار له الكاتب إبراهيم جابر إبراهيم وهو يتحدث عن موت طمليه بالسرطان، حيث قال ما معناه: "الذي أدهشني أن يموت رجل مثله بمرض عادي كثير الاستعمال".